على محمد الشرفاء يكتب
فى القرآن المجيد الخاتمة
ليست الأزمة الكبرى في تاريخ المسلمين أنهم اختلفوا في فهم القرآن فذلك أمر تقتضيه طبيعة العقول واختلاف المدارك وإنما بدأت الأزمة الحقيقية حين تحول تفسير البشر إلى دين وأصبح كلام المفسرين مرجعا يزاحم كلام الله بل يتقدم عليه في كثير من الأحيان حتى صار الناس يحاكمون القرآن إلى التفسير بدلا من أن يحاكموا التفسير إلى القرآن
لقد أنزل الله كتابه هدى ورحمة ونورا للعالمين ولم ينزل معه كتابا آخر يفسره ولم يجعل بينه وبين عباده طبقة تحتكر فهمه أو تتحدث باسمه وإنما وجه خطابه إلى الناس جميعا ودعاهم إلى التدبر فقال سبحانه
﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾
فلو كان الله يريد من عباده أن يقلدوا المفسرين لما دعاهم إلى تدبر كتابه ولجعل مرجعهم أقوال الرجال لا آياته
إن التفسير في حقيقته ليس إلا فهما بشريا والفهم البشري لا يملك صفة العصمة ولا يحمل قداسة الوحي ولذلك لا يجوز أن يتحول إلى دين ملزم أو إلى مرجع أعلى من القرآن
لقد كانت نقطة التحول الخطيرة حين أصبحت كتب التفسير في نظر كثير من المسلمين هي الطريق الإجباري إلى القرآن حتى أوهموا الناس أن القرآن لا يفهم إلا من خلالها وأن من قرأ كتاب الله مباشرة فقد ضل الطريق وكأن الله أنزل كتابا لا يستطيع الناس فهمه إلا بواسطة البشر
وهذا يناقض صريح القرآن الذي يعلن أنه كتاب مبين وأنه تبيان لكل شيء وأنه نور وهدى ورحمة وأن آياته بينات
قال تعالى
﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾
وقال سبحانه
﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾
ولو كان القرآن يحتاج إلى أقوال البشر ليبين نفسه لما وصفه الله بأنه تبيان لكل شيء ولما أمر الناس جميعا بتدبره
إن كثيرا من التفسيرات لم تقف عند بيان اللغة أو تقريب المعنى بل أدخلت في القرآن روايات وأقوالا ومذاهب وفلسفات حتى اختلط كلام الله بكلام البشر وأصبح القارئ أحيانا لا يميز أين تنتهي الآية وأين يبدأ رأي المفسر
والقرآن لم يأمر باتباع المفسرين وإنما أمر باتباع ما أنزل الله
قال تعالى
﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾
إن اللغة وسيلة لفهم القرآن وليست سلطة عليه والشعر شاهد لغوي لا حاكم على مراد الله وأقوال الناس ليست دليلا على مراد الله وإنما الدليل هو كتاب الله نفسه فالقرآن يفسر بعضه بعضا وهو الميزان الذي توزن به جميع الأقوال
ولهذا فإن كل تفسير يخالف ظاهر القرآن أو يناقض مقاصده أو يحمل الآيات ما لا تحتمل لا يكتسب شرعية لأنه مكتوب في كتاب قديم أو لأنه اشتهر بين الناس فالعبرة ليست بقدم القول وإنما بموافقته لكتاب الله
ويضع القرآن قاعدة فاصلة في التعامل مع من سبقنا بقوله تعالى
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
فهذه الآية تحرر العقل المسلم من أسر الماضي وتؤكد أن مسؤولية كل جيل أن يبحث عن الحق بنفسه في كتاب الله لا أن يجعل ما قاله السابقون حكما على القرآن ولن يسألنا الله ماذا قال فلان أو علان وإنما سيسألنا ماذا فعلنا نحن مع آياته
ثم يقرر سبحانه حقيقة لا تحتمل التأويل
﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾سورة الجاثية الآية (6)
فالحق في الآيات نفسها لا فيما يضاف إليها والميزان هو ما نتلوه من كلام الله لا ما كتبه الناس حوله
ولهذا كان من أخطر الذنوب أن ينسب الإنسان إلى الله ما لم يقله
قال تعالى
﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾
وقال سبحانه
﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
فما أكثر ما قيل باسم الله ولم يقله الله وما أكثر ما نسب إلى القرآن وليس فيه وما أكثر ما تحول الرأي البشري إلى عقيدة ملزمة دون سلطان من كتاب الله
ولهذا قال سبحانه
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾
فمن أعظم صور عدم تقدير الله حق قدره أن يقدم كلام البشر على كلامه وأن يجعل تفسير الإنسان أقوى من نص القرآن وأن يعتقد أن الله لم يبين مراده حتى جاء البشر فبينوه
إن الله أعلم بمراده من خلقه وهو الذي تكفل ببيان كتابه وهو الذي وصفه بأنه مبين ونور وهدى فلا يجوز أن يصبح كلام الناس هو الأصل ويصبح القرآن تابعا له
ومن أشد الآيات إيلاما في هذا الباب قول الله تعالى
﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾
وليس هجر القرآن أن يهجر تلاوته فحسب بل أن تهجر مرجعيته وأن يستبدل حكمه بأقوال البشر وأن يصبح التفسير مقدما على النص وأن تكثر الكتب التي تتحدث عن القرآن بينما يغيب القرآن نفسه عن قيادة الفكر والحياة
لقد آن للمسلمين أن يفرقوا بين كلام الله وكلام الناس وأن يعلموا أن القرآن ليس في حاجة إلى وصاية بشرية ولا إلى سلطة تفسيرية تحتكر معانيه وأن كل تفسير هو رأي بشري لا يلزم إلا صاحبه ولا تكون له حجة إلا بقدر موافقته للقرآن
إن الأمة لن تخرج من أزمتها ما دامت تجعل التفسير دينا وتجعل أقوال الرجال ميزانا للحق ولن تعود إلى رشدها إلا إذا أعادت القرآن إلى مكانه الذي أراده الله المرجع الأول والأخير والميزان الذي يوزن به كل قول
فالقرآن هو كلام الله الكامل وهو النور الذي لا يطفأ وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل أما التفسيرات كلها فهي صناعة بشرية لا تملك قداسة ولا عصمة ولا إلزاما ومن أراد الهداية فليطلبها من كتاب الله مباشرة وليجعل كل قول بعده خاضعا له لا حاكما عليه لأن الله لم يأمرنا باتباع التفسيرات وإنما أمرنا باتباع ما أنزل إلينا من ربنا.
.jpg)