حين شاهدت المقطع الذي ظهرت فيه سيدة مصرية مسيحية تجمع الخردة مع أطفالها لتبيعها من أجل أن تعيش لم أندهش من فقرها فالفقر ابتلاء عرفته كل المجتمعات ولا يخلو منه بلد مهما بلغت ثروته وكنا وما زلنا نطالب الدولة بأن تحمل هم أبنائها وأن تمد يدها لكل محتاج دون تمييز
لكن ما أدهشني لم يكن حال السيدة وإنما ردود الفعل التي أعقبت نشر قصتها
فبدلا من أن يتسابق الناس إلى مساعدتها أو المطالبة بحل مشكلتها انبرى بعض الصفحات المسيحية يتهمونها بالكذب والتدليس ويؤكدون أن الكنيسة لم تتركها وأن ما قالته غير صحيح وكأن القضية تحولت من معاناة إنسانة إلى معركة لإثبات أو نفي موقف مؤسسة دينية
وهنا يفرض السؤال نفسه
هل هذه السيدة ليست مصرية
أليست مواطنة يسرى عليها ما يسرى على ملايين المصريين من ظروف اقتصادية صعبة
ولماذا يتحول فقرها إلى قضية طائفية بينما لو كانت مسلمة لما خرجت صفحات إسلامية لتقول إنها لا تستحق المساعدة أو لتدافع عن مؤسسة بعينها
إن أخطر ما يهدد الوطن أن ننظر إلى الإنسان من خلال دينه لا من خلال إنسانيته وأن تتحول كل واقعة اجتماعية إلى مناسبة للاستقطاب والانقسام
المحتاج لا يحمل بطاقة مكتوب عليها مسلم أو مسيحي
والجوع لا يفرق بين كنيسة ومسجد
والدمعة لا تسأل عن العقيدة
والدولة حين ترعى أبناءها لا تسألهم عن دينهم وإنما عن احتياجهم
إن من يسعى إلى تقسيم المصريين إلى معسكرات دينية يخدم من حيث يدري أو لا يدري كل من يتمنى لهذا الوطن أن يتمزق وأن يصبح أبناؤه طوائف متناحرة بدلا من أن يكونوا شعبا واحدا
مصر لم تقم عبر تاريخها على أساس الدين وإنما قامت على أساس المواطنة والانتماء المشترك والأرض الواحدة والمصير الواحد
فإذا احتاج مسلم وقف بجانبه المسيحي وإذا احتاج مسيحي وقف بجانبه المسلم هكذا عرفنا مصر وهكذا بقيت قوية رغم كل المحن
دعوا الفقير فقيرا لا عنوان له إلا أنه إنسان يحتاج إلى العون
ولا تجعلوا من معاناة الناس ساحة لتصفية الحسابات أو لإثبات أن هذه المؤسسة قامت بدورها أو تلك قصرت في واجبها
فالإنسان قبل كل شيء مواطن مصري
ومن حق كل مواطن أن يسمع صوته وأن يجد من يمد إليه يد العون دون أن يتحول ألمه إلى قضية طائفية تمزق ما بقي من نسيج هذا الوطن.