recent
أخبار ساخنة

من رشيد إلى الصحراء صانع المحتوى محمد وجيه يحقق مسارا مختلفا في توثيق الحياة البرية في مصر



 من رشيد إلى الصحراء

 صانع المحتوى محمد وجيه يحقق مسارا مختلفا في توثيق الحياة البرية في مصر

-محمد وجيه :أسعى إلى زيادة الوعى البيئى وإبراز التنوع الكبير فى الحيوانات البرية بمصر 


حوار محمد معتز صلاح الدين 



لم يبدأ الأمر كمشروع محسوب، ولا كخطة رسمها أحد. بدأ كشغف هادئ نبت في سن مبكرة، حين كان من هم في سن محمد وجيه منشغلين بكرة القدم أو المسرح، وكان هو يلاحق الحيوانات. في المرحلة العمرية بين العاشرة والثانية عشرة، كان اتجاهه قد تحدد بوضوح، ليس كهواية تُملأ بها أوقات الفراغ، بل كمسار يريد أن يسلكه حتى النهاية.

يعتمد صانع المحتوى البارز محمد وجيه اعتمادًا كليًا على التعلم الذاتي؛ فالمجال الذي اختاره لم يكن ضمن أي منهج أكاديمي. بدأ من البيئة المحيطة به، يلاحظ الكائنات ثم يبحث عنها على الإنترنت، يتعرف على أسمائها العلمية وسلوكياتها وأنماط تغذيتها، محاولًا بناء معرفة أقرب في منهجيتها إلى العلم، وإن كانت بعيدة عن قاعات الدراسة.

 

رشيد: بيئة متعددة صنعت الشغف

فى حوارنا معه أكد صانع المحتوى البارز محمد وجيه فى مجال البيئة والحيوانات البرية أن

 اختيار المكان لم يكن مصادفة فقد نشأ محمد وجيه في رشيد بمحافظة البحيرة بجمهورية مصر العربية وهي مدينة لا تُعرَّف بتاريخها الأثري وحده، بل بتنوع بيئي لافت يجمع بين الإطلالة على البحر المتوسط والمساحات الزراعية الممتدة والبيئات المتنوعة على الشريط الساحلي. 

ويؤكد صانع المحتوى محمد وجيه فى حواره معنا أن هذا التنوع خلق تنوعًا موازيًا في الكائنات الحية، وجعل المدينة محطة مهمة للطيور المهاجرة القادمة من أوروبا.

في هذا السياق، كان محمد وجيه يرصد أنواعًا مختلفة من الطيور ثم يتعقبها بحثًا، يتعرف على خصائصها وسلوكياتها في بيئتها الطبيعية. كانت رشيد، إذن، أولى فصول التعليم، وأهمها.

 

من الملاحظة إلى الاستكشاف

 

مع الوقت، لم تعد الملاحظة من بعيد كافية. انتقل محمد وجيه من المتابعة إلى الاستكشاف الميداني الفعلي، يتتبع الزواحف والحشرات والطيور والثدييات في أماكنها الطبيعية. كان هذا الانتقال نقطة تحول فارقة، يصفها بأنها محاولة جادة لتعلم المجال بطريقة أكاديمية، حتى من دون مؤسسة تحتضنه.


فكرة تتجاوز الشغف


ما يميز صانع المحتوى محمد وجيه عن كثيرين يمتلكون شغفًا مماثلًا أنه لم يكتفِ بالشعور، بل ربطه بفكرة. منذ صغره كان يسعى أن يكون إنسانًا مؤثرًا، وأن يوظف ما يحبه في خدمة شيء أكبر منه. كان الهدف واضحًا في ذهنه: تحويل الاهتمام بالحياة البرية إلى أداة لرفع الوعي البيئي في مجتمع يرى فيه نقصًا حادًا في هذا الجانب.




رحلات ميدانية وتوثيق بيئي



بدأ محمد وجيه في تنفيذ رحلات ميدانية لتوثيق البيئات الطبيعية في مصر، امتدت على نطاق جغرافي واسع: من الساحل الشمالي الغربي بين برج العرب والسلوم، مرورًا بمرسى مطروح وسيدي براني وسيوة، وصولًا إلى منخفض الفيوم. لم تكن هذه الرحلات زيارات اعتيادية، بل محاولات ممنهجة لتوثيق شكل البيئة والكائنات التي تسكنها، مع تقديم محتوى علمي مُبسَّط لجمهور غير متخصص.


ويحرص محمد وجيه عبر منصاته الإلكترونية إلى أن يتضمن كل فيديو يُنتجه معلومة حقيقية، بحيث لا يكون المشاهد مجرد متلقٍ للصور، بل شريكًا في اكتشاف معرفة لم يكن يعلم بوجودها.


انتشار رقمي في مجال نادر


خلال من ثلاث إلى أربع سنوات، تمكن صانع المحتوى محمد وجيه من بناء قاعدة جماهيرية لافتة: قرابة مليون متابع على فيسبوك، ونصف مليون على يوتيوب، وما يقترب من ربع مليون على إنستجرام، ويكتسب هذا الانتشار دلالته الحقيقية حين يُقاس بندرة المجال؛ فمحتوى الحياة البرية العلمي المُبسَّط شبه غائب في المشهد الرقمي المصري.


ردود فعل تكشف فجوة المعرفة


من تفاعلات الجمهور، رصد محمد وجيه نمطًا متكررًا: دهشة حقيقية من وجود هذا التنوع البيولوجي داخل مصر، يصاحبها رغبة في معرفة المزيد. اعتبر هذا التفاعل دليلًا على فجوة معرفية عميقة، ودافعًا في الوقت نفسه للمضي قُدُمًا، إذ أكد له أن ما يقدمه يُلبّي حاجة حقيقية، لا مجرد فضول عابر.


من الكتب إلى الجمهور


لا يدّعي محمد. وجيه اكتشافات علمية جديدة، لكنه يُدرك قيمة ما يفعله: نقل معلومات ظلت حبيسة الكتب أو حكرًا على عدد محدود من المتخصصين. فمصر تضم نحو تسعة وثلاثين نوعًا من الثعابين، وتنوعًا استثنائيًا في الزواحف، وكائنات كالضب المصري والوعل النوبي والوبر الصخري وقطط برية تسكن الغيطان والبساتين. بل إن النمور كانت لا تزال موجودة في البرية حتى أواخر التسعينيات في مناطق بعينها. أربعة أنواع من الثعالب تتوزع على خريطة مصر، وكل كائن يحمل قصة لا يعرفها إلا القليلون.




التنوع البيئي: أكثر من مجرد صحراء



يُصحح وجيه صورة ذهنية شائعة: مصر ليست بيئة واحدة. هي في الحقيقة فسيفساء من الأنظمة البيئية المتباينة: زراعية وصحراوية وجبلية ونوبية. ولكل نظام كائناته الخاصة به، بل إن النوع الواحد قد يختلف من منطقة إلى أخرى. يضرب مثلًا بحيوان العرس الذي يتوزع بأكثر من نوع داخل مصر، كل نوع مرتبط بإقليم جغرافي محدد كشمال سيناء أو الشلاتين أو الساحل الشمالي الغربي.


مناطق لم تُستكشف بعد


يُشير صانع المحتوى محمد وجيه إلى أن ثمة مناطق واسعة لا تزال تنتظر من يكتشفها، وفي مقدمتها الجنوب الغربي والمناطق الحدودية مع السودان من حلايب وشلاتين وأبو رماد. كل منطقة من هذه المناطق، في تقديره، تمثل نظامًا بيئيًا قائمًا بذاته، يحتضن كائنات قد لا توجد في أي مكان آخر داخل البلاد.


فجوة التوثيق البصري


رغم توافر معلومات

 علمية في المراجع المكتوبة، يؤكد صانع المحتوى محمد وجيه أن التوثيق البصري للحياة البرية المصرية شبه معدوم، ولا سيما في شكل فيديوهات ميدانية تنقل المشهد الطبيعي على حقيقته. هذه الفجوة بالذات هي ما يسعى إلى سدّه، إذ يرى أن الصورة تصل إلى حيث لا تصل الكلمة.




مخاطر الطريق


لا يخلو العمل الميداني من لحظات حرجة. في إحدى رحلاته إلى سيوة، سلك طريقًا خاليًا من أي خدمات، وواجه عقبات في التضاريس اضطرته إلى السير خلف سائق شاحنة خبير بالمسالك ليأمن من الضياع. وفي موقف آخر أثناء العودة، فقد شبه السيطرة على سيارته لحظة اقتراب شاحنة قادمة، ونجا في الثواني الأخيرة. هذه اللحظات لا يرويها للتهويل، بل لتوصيف طبيعة العمل الذي اختاره: ميدان حقيقي، وليس استوديو.


التعامل مع المجتمعات المحلية


في إحدى رحلاته إلى منطقة بدوية نائية، وجد نفسه وجهًا لوجه مع سكان محليين نظروا إليه بريبة واضحة. تجمّع عدد منهم، وكان في الموقف شيء من التوتر. لكن حين شرح ما يفعله وعرض عليهم ما وثّقه، انقلب المشهد تمامًا: ترحيب وعروض للمساعدة وكرم غير متوقع. يُشير إلى أن هذه المجتمعات تعيش في عزلة نسبية وكثيرًا ما تُهمَّش إعلاميًا، لكنها تحمل من المعرفة بالأرض ما لا يملكه أي دليل مكتوب.


أبعاد تتجاوز الحيوان



يُقرّ صانع المحتوى محمد وجيه أن العمل الميداني يفتح أبوابًا على مجالات أخرى: الأنثروبولوجيا والجيولوجيا وعلم النبات والأساطير المرتبطة بالمكان. غير أنه يختار بوعي ألا يتوسع إلى ما لا نهاية، ويؤثر التركيز على مجاله الأصلي ليقدم فيه محتوى أعمق وأكثر صدقًا.



تجربة محمد وجيه تعلم ذاتي لا ينتظر مؤسسة، وعمل ميداني لا يكتفي بالمكتبة، وتوثيق بصري يُخرج المعرفة من طيّ الكتب إلى مدى الجمهور، في غياب إعلام متخصص يتناول هذا الشأن، أصبح ما يقدمه جسرًا ضروريًا بين العلم والناس، والفكرة التي تحكم كل ذلك بسيطة في صياغتها، عميقة في أثرها، غياب المعرفة هو أول أسباب الإهمال، والمعرفة هي الخطوة الأولى نحو الحماية.

google-playkhamsatmostaqltradent