الصحفى محمد معتز يكتب..الفراغ الذي لا تراه.. لماذا نشعر بالملل؟
"الإنسان لا يبحث عن السعادة في حد ذاتها، بل يبحث عن سبب ليكون سعيداً."
-فيكتور فرانكل
الوجع الصامت
ليس جوعاً، ليس فقراً وليس حرباً، هو إحساس غريب يسكنك أحياناً في منتصف يوم عادي تماماً.
تجلس وكل شيء في مكانه، ولا شيء ينقص ظاهرياً، ومع ذلك ثمة فجوة ما.
فراغ بلا اسم، وثقل بلا سبب واضح، ربما ظننت أنك الوحيد الذي يشعر بهذا، لكنك لست كذلك.
فيكتور فرانكل، الطبيب النفسي الذي نجا من معسكرات الاعتقال النازية، لم يكتفِ بدراسة المعاناة الجسدية.
بعد خروجه من أوشفيتز وعودته إلى عيادته، لاحظ نوعاً مختلفاً تماماً من الألم يملأ غرفة الانتظار، وهو ألم لا تسببه الحرب ولا الفقر ولا الحرمان المادي، بل يسكن أناساً أصحاء ومرفهين وأحراراً.
أسماه "الفراغ الوجودي"، واعتبره الظاهرة المميزة للحضارة الحديثة بامتياز.
لماذا أصبحنا فارغين؟
يشرح فرانكل أن الإنسان بخلاف الحيوان لا تملكه غريزة تقول له ماذا يفعل بالضبط، والتقاليد والقيم التي كانت تملأ هذا الفراغ منذ قرون تآكلت في عصرنا بسرعة لم يسبق لها مثيل، فأصبح الإنسان الحديث أمام مشهد غريب، حرية هائلة، بلا بوصلة، لا غريزة تقوده، ولا تقليد يرشده، فيبدأ فيفعل ما يفعله الآخرون، أو ما يريده الآخرون منه، والنتيجة إنسان يتحرك كثيراً، لكنه لا يعرف إلى أين.
هذا الفراغ الوجودي لا يظهر دائماً بوجه مكشوف، بل يرتدي أقنعة متعددة، يأتي على شكل ملل مزمن، ليس ملل الكسل العادي، بل ملل من لا يجد ما يستحق طاقته ووقته.
ويظهر أيضاً في صورة إدمان، حين يغيب المعنى تتضخم الغريزة فتبحث الإنسان عن أي شعور بالحياة ولو للحظة قصيرة، وكثير من العدوانية والعنف الذي نراه في الشوارع وعلى الشاشات لا ينبع من كره حقيقي، بل من فراغ داخلي.
أما اكتئاب الأحد الذي سماه فرانكل "عصاب الأحد"، فيظهر حين تتوقف ضجة الأسبوع ويواجه الإنسان نفسه والفراغ الحقيقي، فيهرب الكثيرون من الصمت خوفاً من مواجهته.
الجيل الذي يملك كل شيء إلا الجواب
نحن جيل يمتلك كل شيء تقريباً، معلومات غير محدودة، ترفيه متواصل، تواصل فوري، وراحة مادية لم يحلم بها أجدادنا ومع ذلك نجد أنفسنا أحياناً في منتصف اليوم نسأل: وماذا بعد؟ ليس هذا نقصاً في الامتنان، ولا ترفاً فكرياً، هذا هو الفراغ الوجودي بعينه، يظهر بقوة أكبر حين تتوفر كل الأسباب الظاهرية للسعادة وقد رصد فرانكل في دراساته أن نحو 60% من طلابه الأمريكيين كانوا يعانون منه بدرجات متفاوتة، وهذا قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي بزمن.
كيف نملأ هذا الفراغ؟
فرانكل لا يبيع وصفات سهلة، يقول بصراحة إن الفراغ الوجودي لا يُملأ بمزيد من الترفيه، ولا بتحقيق أهداف أكثر، ولا بملء كل لحظة فراغ حتى لا نشعر به، إنه لا يُملأ إلا بشيء واحد: معنى حقيقي.
والمعنى عنده ليس فكرة تجدها في كتاب أو فيديو، بل تجربة تعيشها، تجده في عمل تؤمن أنه يستحق جهدك، في علاقة تنميك وتثريك، وفي موقف شجاع تتخذه أمام ألم لا تستطيع تجنبه ليس عليك أن تحل لغز الحياة كلها، يكفي أن تجد خيطاً واحداً يربطك بشيء أكبر منك.
في اللحظة القادمة التي يزورك فيها الفراغ لا تتسرع في ملئه بأول شاشة أو أول ضجة، اجلس معه قليلاً، واسأله بهدوء: ماذا تحتاج؟ غالباً ستجد أنه لا يحتاج ترفيهاً جديداً، بل يحتاج اتجاهاً وهذا الاتجاه مهما كان صغيراً هو بداية الإجابة.
.jpg)