د. احمد الشريف يكتب :الحل السحري للاقتصاد المصري. . إعادة تشغيل المشروعات المعطلة وتعظيم العائد من المنشآت والأصول غير المستغلة
في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه الدولة المصرية تبرز أمامنا فرصة حقيقية قد تكون أحد أهم مفاتيح الحل وهي إعادة تشغيل المشروعات المتوقفة والمنشآت المتعثرة وتعظيم العائد من الأصول والثروات غير المستغلة. فبينما نسعى إلى إقامة مشروعات جديدة وتوفير استثمارات إضافية توجد بالفعل إمكانات اقتصادية قائمة يمكن أن تتحول إذا أحسنا إدارتها واستثمارها إلى مصادر حقيقية للإنتاج والدخل وفرص العمل.
إن المشروع القومي لتعظيم العائد من الأصول المعطلة وتشغيل المشروعات المتعثرة ليس مجرد فكرة اقتصادية عابرة بل رؤية تنموية متكاملة تستهدف تحويل الطاقات المهدرة إلى قوة إنتاجية والإمكانات المعطلة إلى فرص حقيقية تعود بالنفع على المواطن والأسرة والدولة.
لماذا نعتبره حلًا سحريًا؟
لأننا لا نبدأ من نقطة الصفر بل نعيد الحياة إلى أصول ومنشآت ومشروعات تمتلك بالفعل مقومات العمل والإنتاج لكنها تحتاج إلى إعادة تقييم وإدارة رشيدة وتمويل مناسب وشراكات جادة وأفكار مبتكرة تضمن استدامتها وتحقيق أهدافها.
وتكمن قوة هذه الرؤية في قدرتها على معالجة العديد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية في وقت واحد، ومن أبرزها:
أولًا: تشغيل الشباب وفتح أبواب الأمل أمامهم
إعادة تشغيل المصانع والمنشآت والمشروعات المتوقفة تعني توفير فرص عمل حقيقية للشباب في مختلف التخصصات من المهندسين والفنيين والعمال إلى المحاسبين والإداريين والمسوقين والمتخصصين في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. كما تتيح فرصًا لرواد الأعمال وأصحاب الأفكار والمبادرات الإنتاجية للمشاركة في بناء الاقتصاد الوطني.
ثانيًا: زيادة دخل الفرد والأسرة المصرية
العمل المنتج هو الطريق الأكثر استدامة لتحسين مستوى المعيشة. فعندما تتحول المشروعات المعطلة إلى كيانات اقتصادية عاملة فإنها تفتح أبوابًا جديدة للدخل وتمنح الأسر فرصة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وتساعد المواطنين على تلبية احتياجاتهم بكرامة بعيدًا عن الاعتماد المستمر على المساعدات.
ثالثًا: دعم الحياة الكريمة للمواطن
لا تتحقق الحياة الكريمة بالشعارات وحدها وإنما بتوفير فرص العمل والدخل المناسب والخدمات والمنتجات بأسعار عادلة. ومن هنا فإن تشغيل المشروعات المتعثرة يمثل مسارًا عمليًا لتعزيز قدرة المواطن على الإنتاج والعمل وتحسين ظروف حياته مع مراعاة حقوق العاملين والحماية الاجتماعية.
رابعًا: زيادة الإنتاج والناتج القومي
كل مصنع يعود إلى العمل وكل منشأة تستعيد نشاطها، وكل أصل يتحول إلى قيمة اقتصادية مضافة يمثل فرصة لتعزيز الإنتاج المحلي وتحريك سلاسل الإمداد وتنشيط الأسواق وزيادة القيمة المضافة للاقتصاد المصري.
وبدلًا من بقاء الموارد معطلة دون عائد يمكن توظيفها في إنتاج سلع وخدمات تسهم في دعم التنمية وتوسيع القاعدة الإنتاجية وتحسين كفاءة استخدام الموارد المتاحة.
خامسًا: تقليل الاستيراد وتعزيز الصناعة الوطنية
من بين أهم أهداف هذه الرؤية حصر المنتجات التي تستوردها مصر من الخارج ودراسة إمكانية تصنيعها محليًا بالاعتماد على المصانع القائمة والطاقات الإنتاجية غير المستغلة.
فقد تكون لدينا منشآت تمتلك المعدات أو الخبرات أو المساحات اللازمة لإنتاج سلع نستوردها حاليًا لكنها تحتاج إلى تحديث أو إدارة جديدة أو شريك استثماري. وإذا نجحنا في إعادة تشغيلها فسنتمكن من إحلال بعض الواردات بمنتجات محلية ذات جودة وتكلفة تنافسية مع توفير العملة الأجنبية وتوسيع فرص التصدير متى توافرت القدرة على المنافسة.
سادسًا: تحقيق عائد للدولة وجذب استثمارات جديدة
لا تقتصر الاستفادة على أصحاب المشروعات والعاملين فيها بل تمتد إلى الدولة من خلال تنشيط النشاط الاقتصادي وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة قانونية وتعزيز الإيرادات العامة وتحسين العائد من الأصول المملوكة لها.
كما أن إتاحة فرص استثمار مدروسة في المشروعات المتعثرة يمكن أن تجذب رؤوس الأموال المحلية والعربية والأجنبية وتفتح المجال أمام شراكات تحقق مصالح جميع الأطراف دون التفريط في حقوق الدولة أو الملكية العامة.
كيف نحول الفكرة إلى مشروع وطني حقيقي؟
إن نجاح هذه الرؤية يتطلب الانتقال من مرحلة طرح الأفكار إلى مرحلة التنفيذ المنظم من خلال خطوات واضحة:
1. إنشاء قاعدة بيانات وطنية: لحصر المشروعات المتوقفة والمتعثرة والمنشآت والأصول غير المستغلة مع تحديد مواقعها وملكيتها وحالتها الفنية والمالية والإنتاجية.
2. إعداد دراسات جدوى واقعية: لتحديد أسباب التعثر وتقدير تكاليف إعادة التشغيل، وقياس حجم الطلب على المنتجات والخدمات واختيار المشروعات القابلة للعودة إلى الإنتاج وفقًا لأولويات واضحة.
3. تحديد آليات متنوعة للتمويل والتشغيل: من خلال الشراكات الاستثمارية والإدارة المتخصصة والتمويل المناسب والتأجير التشغيلي وغيرها من الآليات القانونية التي تحفظ الحقوق وتوزع المخاطر بعدالة.
4. ربط التشغيل باحتياجات السوق: بإعطاء الأولوية للمنتجات التي يحتاج إليها المواطن والاقتصاد خاصة السلع التي يمكن تصنيعها محليًا بدلًا من استيرادها مع الاهتمام بالجودة والتكلفة والتنافسية.
5. تأهيل الكوادر البشرية: من خلال برامج تدريب فنية وإدارية ومهنية تتناسب مع احتياجات كل مشروع بما يضمن توافر العمالة المؤهلة واستمرار العملية الإنتاجية.
6. تفعيل الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني: للاستفادة من الخبرات والموارد والعلاقات المتاحة وفتح المجال أمام الشباب والمستثمرين وأصحاب الكفاءات للمشاركة في إعادة بناء القدرات الإنتاجية.
7. الشفافية والحوكمة والمتابعة: لضمان حماية الأصول ومنع تضارب المصالح وتحقيق تكافؤ الفرص وقياس النتائج بمؤشرات واضحة تشمل عدد المشروعات التي عادت للعمل وفرص العمل المستحدثة وحجم الإنتاج والعائد الاقتصادي والاجتماعي.
معركة الوعي والإرادة قبل أن تكون معركة المال
إن أحد أكبر التحديات التي تواجه هذه الفكرة قد لا يكون نقص الموارد وحده بل غياب الرؤية المتكاملة وضعف التنسيق وتعارض المصالح والتمسك أحيانًا بأساليب إدارة لم تعد قادرة على مواكبة متطلبات العصر.
ولهذا فإننا نحتاج إلى تغيير طريقة التفكير. فلا ينبغي أن ننظر إلى المصنع المتوقف باعتباره عبئًا فقط أو إلى المنشأة غير المستغلة باعتبارها مساحة مهملة أو إلى الأصل المعطل باعتباره ملفًا مؤجلًا. بل يجب أن نسأل: كيف يمكن إعادة توظيفه؟ وما القيمة التي يستطيع إضافتها؟ وكم فرصة عمل يمكن أن يوفرها؟ وما المنتجات التي يمكن أن ينتجها؟ وكيف يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل مستدام؟
إن الأصول المعطلة ليست جميعها قابلة للتشغيل بالدرجة نفسها وبعضها قد يحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة أو استخدام بديل. لكن الحل يبدأ بالحصر الدقيق والتقييم الموضوعي ثم اتخاذ القرار الاقتصادي الصحيح بعيدًا عن العشوائية أو المصالح الضيقة.
مصلحة الوطن والمواطن أولًا
إن إعادة تشغيل المشروعات المعطلة وتعظيم العائد من الأصول غير المستغلة يمكن أن تمثل فرصة كبيرة للاقتصاد المصري إذا توافرت الإرادة الجادة والإدارة الكفؤة والشفافية والتخطيط العلمي والتعاون الحقيقي بين مختلف مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع.
فالهدف ليس مجرد إعادة فتح أبواب المصانع أو تشغيل المنشآت وإنما بناء منظومة اقتصادية تجعل كل أصل قادر على الإنتاج فرصةً للنمو وكل مشروع قابل للتشغيل مصدرًا للعمل والدخل وكل مورد متاح خطوةً نحو اقتصاد أكثر قوة واستدامة.
إن الثروة الحقيقية ليست فقط فيما نملكه بل فيما نستطيع أن نصنعه بما نملكه.
وقد آن الأوان لأن ننتقل من ثقافة انتظار الموارد الجديدة إلى ثقافة تعظيم قيمة الموارد المتاحة ومن إدارة التعثر إلى صناعة الفرص ومن إهدار الطاقات إلى استثمارها ومن المصالح الفردية الضيقة إلى الشراكة الوطنية التي تحقق النفع العام.
فإذا أحسنا استثمار مشروعاتنا ومنشآتنا وأصولنا وثرواتنا المعطلة ووضعنا مصلحة الوطن والمواطن فوق المصالح الشخصية فإننا لن نعيد تشغيل مشروعات فحسب بل سنفتح أبوابًا جديدة للعمل والإنتاج والأمل ونمنح الاقتصاد المصري فرصة حقيقية لتعظيم قدراته وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
إنها ليست مجرد فكرة لتشغيل المشروعات بل مشروع وطني لبناء اقتصاد منتج وتوفير فرص العمل وزيادة دخل الأسرة المصرية وتعظيم ثروات الدولة.
نستثمر ما نملك. . نشغّل ما تعطل. . ننتج ما نستورد. . ونبني مستقبلًا يليق بمصر وأبنائها.
