recent
أخبار ساخنة

الصحفي محمد معتز يكتب العصا والميزان.. نافي بيلاي ونوبل للسلام في عالم يعاقب قضاته


 الصحفي محمد معتز يكتب العصا والميزان.. نافي بيلاي ونوبل للسلام في عالم يعاقب قضاته


في نورنبرغ، المدينة التي وُلد فيها القانون الجنائي الدولي من رماد الحرب العالمية الثانية، تلقت امرأة في الخامسة والثمانين من عمرها نبأ فوزها بجائزة نوبل للسلام وكان أول ما قالته «هل هذا صحيح؟ ظننت أنها مزحة».


لم تكن مزحة، لكن المفارقة لم تتأخر طويلًا؛ فبعد ساعات قليلة، أعلنت واشنطن عقوبات جديدة على المحكمة الجنائية الدولية، وهي المحكمة نفسها التي جلست نافي بيلاي على منصتها قاضيةً ذات يوم وأعاد الرئيس الأمريكي نشر منشور يصفها بأنها معادية للولايات المتحدة وإسرائيل، فيما اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي لجنة نوبل بفقدان بوصلتها الأخلاقية.


في يوم واحد اجتمع المشهد كله بعالم يكرم القانون بيد، ويضربه بالعصا باليد الأخرى.


امرأة خرجت من زمن الفصل العنصري


لم تصل نافي بيلاي إلى هذه اللحظة من فراغ، بيلاي وُلدت في ديربان لأسرة هندية فقيرة، في بلد كان القانون فيه يقسّم البشر وفقًا للون بشرتهم وعندما أنهت دراسة الحقوق، لم يقبلها أي مكتب محاماة، إذ لم يكن أحد يريد امرأة «ملونة» بين موظفيه. فافتتحت مكتبها الخاص، لتصبح أول امرأة غير بيضاء تفعل ذلك في إقليمها.


وقفت بيلاي مدافعةً عن معارضي نظام الفصل العنصري، وعن حق سجناء جزيرة روبن في ألا يتعرضوا للتعذيب، وفي أن يتمكنوا من لقاء محاميهم.


ثم حملت تجربتها إلى الساحة الدولية ففي المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، شاركت في إصدار أحكام أسهمت في تغيير القانون الدولي؛ إذ أقرّت المحكمة بأن الاغتصاب يمكن أن يكون أداةً للإبادة الجماعية، وأن التحريض الإعلامي على القتل جريمة يمكن أن يُحاسَب مرتكبها، تمامًا كما يُحاسَب من ينفذ القتل بيده.


لاحقًا، أصبحت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية، ثم مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وعندما رفعت غامبيا دعواها ضد ميانمار أمام محكمة العدل الدولية دفاعًا عن مسلمي الروهينجا، جلست بيلاي قاضيةً خاصة في القضية.


امرأة عايشت الفصل العنصري من الداخل تعرف ملامحه حين تراها في مكان آخر.


لجنة لم يُرَد لها أن تنتهي


في مايو 2021، عقب أحداث الشيخ جراح والحرب التي تلتها، أنشأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لجنة تحقيق دولية مستقلة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، وأسند رئاستها إلى بيلاي ومنذ يومها الأول، واجهت اللجنة موجة من الاتهامات والانتقادات، اعترضت دول غربية على تفويضها المفتوح، الذي لا يتضمن تاريخًا لانتهائه وكان جوهر رد بيلاي أن الاحتلال نفسه لا يتضمن تاريخًا لانتهائه.


وحين أثار أحد أعضاء اللجنة عاصفةً بتصريح عن نفوذ جماعات الضغط، انهالت الإدانات من سفراء وحكومات، لكن بيلاي وقفت إلى جانب زميلها ويمكن الاختلاف بشأن العبارة ذاتها، غير أن الثابت أن اللجنة لم تتراجع عن عملها.


ومضت اللجنة في إعداد تقاريرها ففي عام 2024، خلصت إلى أن ما يجري في غزة يتضمن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وسلطت الضوء على استهداف الأطفال بأعداد وأنماط لا يمكن تبريرها بسهولة بالاستناد إلى الضرورات العسكرية. كما أكدت أن الاستناد إلى حق الدفاع عن النفس لا يعفي من الالتزام بقواعد القانون الدولي.


وفي عام 2025 وصلت اللجنة إلى الاستنتاج الأثقل في قاموس القانون الدولي وهي الإبادة الجماعية، ولم تتوقف عند توصيف الأفعال، بل ذكّرت الدول بالتزامها القانوني بمنع الإبادة، لا بمجرد إدانتها لفظيًا؛ وهو التزام يطرح أسئلة مباشرة بشأن صادرات الأسلحة، والعلاقات التجارية، وأي مساهمة محتملة في استمرار الانتهاكات.


ورُفضت استنتاجات اللجنة في تل أبيب على أعلى المستويات لكنها دخلت في المقابل ملفات قانونية ونقاشات برلمانية، وأصبحت جزءًا من السياق الذي تحركت ضمنه حكومات أوروبية لاتخاذ مواقف أكثر تشددًا، فقد اقترحت المفوضية الأوروبية تعليق الامتيازات التجارية في إطار اتفاق الشراكة، وأعلنت إحدى عشرة دولة فرض قيود على منتجات المستوطنات.


لم يكن تقرير اللجنة وحده وراء هذه التحولات، لكن من الصعب تجاهل دوره في توثيق الوقائع وتوفير أساس قانوني وسياسي للنقاش بشأنها.


لماذا لم تعد المؤسسات الدولية تثير الخشية؟


السؤال الحقيقي ليس لماذا فازت بيلاي بالجائزة بل لماذا قوبل فوزها بكل هذا الازدراء من قوى كانت في طليعة من أسهموا في بناء النظام الدولي، لننظر إلى سجل العامين الأخيرين. فرضت واشنطن عقوبات على قضاة في المحكمة الجنائية الدولية ومسؤولين في مكتب المدعي العام، ثم وسّعت إجراءاتها لتشمل مسؤولين آخرين في المحكمة وأطلقت إدارة الرئيس الأمريكي حملة سياسية للضغط على الدول الأعضاء، وتحدثت عن إضعاف المؤسسة وتقويض قدرتها على أداء مهامها واليوم، تمتد العقوبات، وفقًا لما يورده هذا السجال، إلى المحكمة بوصفها مؤسسة؛ بما يثير مخاوف من أن تصبح البنوك والشركات التي تتعامل معها عرضةً للعقاب. ولم يعد مؤيدو المحكمة يتحدثون عن مجرد إضعافها، بل عن خطر خنقها ماليًا وإداريًا.


وفي مجلس الأمن، يستطيع صوت واحد أن يجهض قرارًا، فيما تواجه مؤسسات الأمم المتحدة ضغوطًا مالية وسياسية متزايدة وحتى جائزة نوبل، التي كانت الحكومات تتسابق إلى تهنئة الفائزين بها، أصبحت موضع اتهامات تصل إلى حد وصفها بالعار، يمكن رد هذا التراجع في احترام المؤسسات الدولية إلى ثلاثة أسباب متشابكة.


أولها أن القانون، حين يقترب من الأقوياء وحلفائهم، يفقد الحماية التي وفروها له، لقد صُممت مؤسسات النظام الدولي بعد عام 1945 في عواصم المنتصرين، وعملت لعقود طويلة في ظل تصور ضمني بأنها تستهدف الآخرين: أمراء الحرب في أفريقيا والبلقان، لا حلفاء العواصم الكبرى وحين أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، رحبت بها عواصم غربية لكن عندما أصدرت مذكرة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، تحولت المحكمة في خطاب تلك العواصم إلى مؤسسة «مسيّسة» و«فاسدة» لم تتغير المحكمة بالضرورة؛ الذي تغيّر هو هوية المتهمين.


أما السبب الثاني، فهو دخول السياسة الدولية مرحلة تتقدم فيها الصفقات على القواعد. في هذا المناخ، لا تُقاس الشرعية بمدى الالتزام بالقانون، بل بالقدرة على فرض الإرادة. تصبح القوة مبررًا لنفسها، وتتحول القواعد الدولية إلى عائق أمام المصالح، بدلًا من أن تكون ضمانةً للاستقرار والحقوق. ومن ينظر إلى العالم بهذه الطريقة لا يرى في القاضي حارسًا للعدالة، بل خصمًا محتملًا، ولا يرى في لجنة أممية أداةً للتحقيق، بل منبرًا سياسيًا معاديًا.


أما السبب الثالث، وهو ما ينبغي قوله بوضوح، فهو أن المؤسسات الدولية نفسها ليست بمنأى عن الأخطاء أو الانتقادات ففي قضية كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الذي واجه إجراءات تحقيق ومساءلة بشأن مزاعم ضده، رأى أنصاره أن ما جرى يحمل أبعادًا سياسية، فيما اتخذت دول وممثلون مواقف متباينة من القضية، ونفى خان الاتهامات وطعن في الإجراءات. كما يستحضر منتقدو بيلاي مواقف سابقة لها في ملفات دولية، من بينها الصين.


والدرس هنا أن المؤسسة التي تريد إخضاع الأقوياء للقانون ينبغي أن تلتزم أعلى معايير النزاهة والشفافية والمساءلة. فكل ثغرة في أدائها قد تتحول إلى ذريعة يستخدمها خصومها لتقويض شرعيتها وهدم البناء الذي يفترض أن تحميه.


هل تغيّر العالم فعلًا؟ نعم ولا، لم تتغير موازين القوة بعد. فما زالت العصا في يد من يملكها، يضرب بها المحاكم والقضاة والجوائز. ولم تنتهِ الحرب بتقرير، ولم تتوقف المستوطنات بقرار أوروبي، لكن شيئًا آخر بدأ يتغير وهو معركة الشرعية.


أن تذهب جائزة نوبل للسلام، التي سبق أن مُنحت لشخصيات مثيرة للجدل، إلى امرأة ارتبط اسمها بعمل أممي وثّق انتهاكات جسيمة في غزة، ليس تفصيلًا عابرًا وأن تؤكد لجنة نوبل، في حيثياتها، أن سيادة القانون أساس السلام، في لحظة تتعرض فيها المحاكم الدولية لضغوط غير مسبوقة، هو موقف يتجاوز المجاملة البروتوكولية.


لقد عايشت بيلاي هذا الدرس بنفسها، فنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا لم يسقط في يوم واحد، سبق سقوطه عقود من التقارير والقرارات والمقاطعات، بدت في وقتها محدودة الأثر. كان النظام يمتلك الجيش والاقتصاد والحلفاء، لكنه انتهى إلى اكتشاف أن القوة وحدها لا تكفي لضمان استمرار الشرعية.


والقوة التي تفقد شرعيتها لا تسقط بالضرورة فورًا، لكنها تبدأ في دفع ثمن متزايد: في التجارة، والسفر، والصورة الدولية، وفي علاقاتها بحلفاء قد يتعبون، مع الوقت، من الدفاع عنها.


الطريق إلى السلام وسط كل هذا


السلام الذي تدافع عنه بيلاي ليس مجرد هدنة بين جولتين من القتال، بل نظام يستطيع فيه القانون محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بصرف النظر عن مواقعهم أو تحالفاتهم. والطريق إلى هذا السلام يمر بخطوات أقل بريقًا من الجوائز، لكنها أكثر رسوخًا في أثرها.


أولًا: التوثيق.


تتبدل الحكومات، وتُرفع العقوبات، وتخبو الحملات السياسية، لكن ما يُوثّق في ملفات المحاكم يبقى. وقد تعاملت المحاكم الدولية الخاصة برواندا ويوغوسلافيا السابقة مع وقائع استغرق التحقيق فيها سنوات. وما يُجمع اليوم من شهادات وصور وأدلة وأرقام قد يصبح أساسًا لمحاكمات لا تُعقد إلا بعد عقد أو أكثر.


ثانيًا: بناء تحالف من الدول المتوسطة.


قد لا تكون المحكمة الجنائية الدولية قادرة على الاعتماد على واشنطن لحمايتها، لكن يمكن لدول مثل هولندا، التي تستضيف مقرها، وجنوب أفريقيا، التي حملت ملف الإبادة في غزة إلى لاهاي، إلى جانب دول أوروبية وأفريقية ولاتينية، أن تسهم في حماية استقلالها واستمرار عملها.


فالدول التي تدرك أن انهيار المحكمة يعني اتساع مساحة الإفلات من العقاب مطالبة بتحويل هذا الإدراك إلى دعم دبلوماسي ومالي وقانوني. والدول العربية ليست مطالبة بالاكتفاء بمراقبة المشهد، بل يمكنها أن تكون جزءًا من هذا التحالف.


ثالثًا: الاقتصاد بوصفه لغة يفهمها الجميع.


لا تكفي البيانات وحدها لتحريك السياسات. فما يدفع الحكومات إلى مراجعة مواقفها هو، في كثير من الأحيان، إدراكها أن استمرار علاقاتها التجارية مع المستوطنات، أو إسهامها في أنشطة تنطوي على انتهاكات للقانون الدولي، قد يرتب عليها تبعات قانونية واقتصادية. وحين يتحول الالتزام بالقانون من مبدأ معلن إلى كلفة فعلية لعدم احترامه، تصبح فرص التحرك أكبر.


رابعًا: خطاب يكسب الحلفاء ولا ينفّرهم.


تكمن إحدى نقاط قوة بيلاي في استنادها إلى لغة القانون، لا إلى الهوية أو الدين. فالقضية الفلسطينية تكتسب قوة أكبر حين تُطرح باعتبارها قضية عدالة وحقوق إنسان ومساءلة قانونية، وتخسر حين تُختزل في صراع ديني أو عرقي.


في الاختزال يجد خصومها مادةً لتشويهها، وتخسر القضية حلفاء محتملين، بينهم يهود يعارضون الانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين في غزة. أما لغة الحقوق المتساوية والمساءلة، فتتيح توسيع دائرة التضامن على أساس مبدأ واضح: لا حصانة لأحد من القانون.


العصا والميزان، ثمة صورتان تختصران هذا المشهد


في الأولى، رجل يمسك العصا ويضرب بها القضاة واحدًا تلو الآخر. وفي الثانية، امرأة في الخامسة والثمانين من عمرها، في نورنبرغ، تتمسك بميزان لا يملك جيشًا ولا عملة ولا حق نقض.


العصا تؤلم الآن، لكنها لا تبني نظامًا عادلًا أما الميزان، فرغم بطئه وعجزه أحيانًا عن وقف الجريمة في لحظتها، فإنه يحتفظ بالوقائع ويمنح الضحايا فرصةً للمطالبة بحقوقهم.


فوز نافي بيلاي ليس انتصارًا مكتملًا؛ فما زال الطريق طويلًا، وما زالت غزة تدفع الثمن. لكنه بارقة أمل حقيقية، لأنه يذكّر العالم بأن معاقبة القضاة لا تعني إسكاتهم، وأن المؤسسات التي تتعرض للضغط لا تفقد بالضرورة قدرتها على توثيق الحقيقة ومساءلة أصحاب القوة.


فالضمير الدولي الذي ظن كثيرون أنه مات لا يزال قادرًا على قول كلمته، ولو من أوسلو؛ لكن تحويل هذه الكلمة إلى عدالة فعلية يظل مرهونًا بما ستفعله الدول، لا بما ستقوله الجوائز وحدها

google-playkhamsatmostaqltradent