recent
أخبار ساخنة

مجدى طنطاوى يكتب مصر وطن عظيم وشعبه أعظم


 مجدى طنطاوى يكتب

مصر وطن عظيم وشعبه أعظم


مصر وطن عظيم لا بعظمة أرضه وتاريخه وحضارته فقط وإنما بعظمة شعبه الذي ظل عبر آلاف السنين يحمل في وجدانه معاني النخوة والشهامة والمروءة والرحمة والتسامح والقدرة على الوقوف في الشدائد 

وكأن في تكوين المصري شيئا لا ينكسر مهما اشتدت عليه الأيام ولكن آفتنا الكبرى ليست في الوطن ولا في الشعب وإنما في طبيعتنا البشرية الناقصة فنحن كثيرا ما نرفع الإنسان فوق قدره ثم نطالبه بعد ذلك بأن يظل ملاكا لا يخطئ فنصنع بأيدينا المسافة بين الحاكم والمحكوم وبين المسؤول والمواطن وبين الإنسان وأصله الذي خرج منه

 نحن نخطئ حين نؤله العظماء فالإنسان مهما علا شأنه يظل إنسانا ومهما امتلك من سلطة أو مكانة أو علم أو نفوذ فإنه لا يفقد ضعفه البشري ولا يصبح معصوما من الخطأ وحين نضع المسؤول في مكان فوق النقد نكون قد بدأنا صناعة المشكلة لأننا نمنحه بمرور الوقت شعورا بأنه لا يحتاج إلى أن يسمع إلا صوته ولا يرى إلا رؤيته ولا يقبل إلا ما يوافق رأيه 

وهنا تتحول السلطة من تكليف إلى امتياز ومن خدمة إلى سيطرة ومن مسؤولية أمام الناس إلى شعور بالتفوق عليهم 

والأخطر من ذلك أن هذا التحول قد يصيب الإنسان الذي جاء من بيت مصري بسيط يحمل كل صفات أهله الطيبة النقية الرحيمة المتسامحة ثم يجد نفسه بعد وصوله إلى موقع المسؤولية محاطا بمظاهر السلطة والألقاب والمجاملات فينسى أحيانا أنه واحد من هؤلاء الناس وأن الذين يقفون أمامه اليوم هم أهله وجيرانه وأبناء وطنه 

قد يبدأ الأمر من أصغر موقع في الدولة من شيخ الغفر إلى أعلى قمة في هرم المسؤولية حتى امام الجامع وبابا الكنيسة فكلما غابت المحاسبة وارتفع منسوب التقديس أصبح المسؤول أكثر ابتعادا عن الناس ليس لأن الناس تغيروا وإنما لأن الصورة التي صنعوها له تغيرت 

نحن الذين نقول للمسؤول دائما أنت العظيم وأنت الذي لا يخطئ وأنت الذي لا يناقش وأنت الذي لا يسأل ثم نغضب حين يتحول بعض المسؤولين إلى أشخاص لا يسمعون إلا صوتهم 

نحن الذين صنعنا جزءا من هذه الأزمة

 المجتمع الصحي لا يصنع آلهة من البشر وإنما يصنع مسؤولين يعرفون أن المنصب عابر وأن الإنسان باق وأن الكرسي مهما طال الجلوس عليه سوف يأتي يوم ويغادره صاحبه ولهذا فإن احترام المسؤول لا يعني الخضوع له والنقد لا يعني كراهية الوطن والمطالبة بالحق لا تعني التمرد والاختلاف في الرأي لا يعني العداء بل إن أخطر ما يمكن أن نفعله في حق وطننا أن نجعل حب الوطن مرادفا للصمت وأن نجعل طاعة المسؤول مرادفا لطاعة الوطن

 الوطن أكبر من كل الأشخاص ومصر أكبر من أي منصب وأبقى من كل مسؤول وأعظم من كل اسم

 المصري الذي نشأ على الشهامة والمروءة لا يحتاج إلى أن يفقد هذه الصفات عندما يصل إلى موقع المسؤولية بل يحتاج إلى أن تظهر فيه بصورة أكبر لأن السلطة الحقيقية ليست أن تجعل الناس يخافون منك وإنما أن تجعلهم يشعرون بالأمان في وجودك المسؤول العظيم ليس من يملك القدرة على إصدار الأوامر وإنما من يملك القدرة على سماع شكوى مواطن بسيط دون أن يشعره بأنه أقل منه

 وليس العظيم من يحيط نفسه بمن يقولون له نعم وإنما من يسمح لمن حوله بأن يقولوا له لا عندما يكون في قراره خطأ وليست هيبة الدولة في أن يخاف المواطن من موظف وإنما في أن يثق المواطن بأن حقه محفوظ وأن كرامته مصونة وأن المسؤول مهما علا منصبه خادم لهذا الوطن وليس مالكا له ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ منا جميعا من المواطن الذي يتوقف عن صناعة الأصنام البشرية ومن المسؤول الذي يتذكر أصله ومن المجتمع الذي يحترم المنصب دون أن يقدسه ومن الدولة التي تجعل القانون فوق الأشخاص ومن ثقافة عامة تؤمن بأن الإنسان يمكن أن يكون عظيما دون أن يكون معصوما 

مصر لا تحتاج إلى آلهة من البشر مصر تحتاج إلى بشر عظماء يتذكرون دائما أنهم أبناء هذا الشعب وأن السلطة أمانة وأن المنصب تكليف وأن المواطن ليس رقما في دفتر ولا صوتا مزعجا في طابور ولا شخصا ينتظر الإذن لكي يحصل على حقه

 إن أعظم ما يمكن أن نفعله لوطن عظيم كشعب أعظم هو أن نعيد الإنسان إلى حجمه الطبيعي نحترم العظيم ولكن لا نؤلهه نثق في المسؤول ولكن لا نعفيه من الحساب نختلف معه ولكن لا نهينه ننتقد القرار ولكن لا نهدم الدولة ونقول للحاكم والمسؤول في كل موقع نحن نريدك كما خرجت من بيننا إنسانا مصريا يحمل قلب أهله وشهامتهم ومروءتهم ورحمتهم وتسامحهم

 لا نريد أن تغيرك السلطة ولا نريد أن يجعلك المنصب تنسى أنك واحد منا فمصر لم تكن عظيمة لأن فيها حكاما عظماء وإنما كانت عظيمة لأن فيها شعبا ظل قادرا على أن يصنع من المحن تاريخا ومن الألم أملا ومن الإنسان البسيط قيمة لا تسقط أمام سلطة ولا منصب نحن المخطئون حين نرفع البشر فوق مقامهم ثم نلومهم عندما يصدقون أنهم فوق البشر

google-playkhamsatmostaqltradent