recent
أخبار ساخنة

رؤية قرآنية لبناء الإنسان.. الشرفاء الحمادي يصدر مؤلفه “فلسفة الإصلاح الحضاري في القرآن الكريم"


 رؤية قرآنية لبناء الإنسان.. الشرفاء الحمادي يصدر مؤلفه “فلسفة الإصلاح الحضاري في القرآن الكريم"


صدر حديثًا للمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي كتاب جديد بعنوان “فلسفة الإصلاح الحضاري في القرآن الكريم.. رؤية معاصرة في فكر علي محمد الشرفاء الحمادي”، في محاولة فكرية تقدم قراءة جديدة للخطاب القرآني باعتباره مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان وإصلاح المجتمع وإقامة الحضارة، بعيدًا عن الاقتصار على الطرح الوعظي أو القراءة التقليدية للنصوص.


ويأتي الكتاب في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول أسباب تعثر مشروعات النهضة في العالم العربي والإسلامي، ليطرح رؤية تقوم على أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير الأدوات أو الأنظمة وحدها، وإنما من إعادة بناء الإنسان على أساس منظومة قيمية وأخلاقية مستمدة من القرآن الكريم، باعتباره مرجعية للهداية والإصلاح وصناعة العمران.


ويؤكد المؤلف في مقدمته أن البشرية تواجه اليوم تحديات فكرية وحضارية وأخلاقية غير مسبوقة، وأن التجارب الإنسانية أثبتت أن التقدم المادي وحده لا يكفي لتحقيق الاستقرار والازدهار إذا لم يستند إلى منظومة أخلاقية تضبط حركة الإنسان وتوجه طاقاته نحو الخير والإصلاح. ومن هذا المنطلق، يقدم الكتاب رؤية متكاملة تنطلق من القرآن الكريم لإعادة قراءة عدد من القضايا الكبرى المرتبطة ببناء الإنسان وصناعة المستقبل.


ويشير الشرفاء إلى أن القرآن الكريم لا ينبغي النظر إليه باعتباره كتابًا للوعظ المجرد أو سجلًا للأحداث التاريخية فقط، وإنما باعتباره مشروعًا حضاريًا متكاملًا يهدف إلى بناء الإنسان الصالح، وإقامة المجتمع العادل، وترسيخ قيم الرحمة والحرية والعدل والمسؤولية، باعتبارها الأسس التي تقوم عليها نهضة الأمم واستقرار المجتمعات.


وتدور الفكرة المركزية للكتاب حول مفهوم الاستخلاف، باعتباره الركيزة الأساسية التي تحدد وظيفة الإنسان في الحياة. ويرى المؤلف أن الاستخلاف لا يعني مجرد منح الإنسان مكانة متميزة، بل يعني تحميله مسؤولية حضارية وأخلاقية تتمثل في إصلاح الأرض وإعمارها، وتحويل الإمكانات التي منحها الله له إلى أدوات للبناء والإنتاج وتحقيق الخير العام.


وفي هذا السياق، يناقش الكتاب العلاقة بين التشريف والتكليف، موضحًا أن تكريم الإنسان بالعقل والوعي والقدرة على الاختيار لا يمثل امتيازًا مجردًا، وإنما يفرض عليه مسؤولية أكبر في توظيف هذه النعم لخدمة المجتمع وإقامة العدل وتحقيق الإصلاح، مؤكدًا أن الفصل بين التكريم والتكليف يؤدي إلى فهم ناقص لمفهوم الاستخلاف كما يطرحه القرآن الكريم.


كما يركز الكتاب على أن الاستخلاف ليس فكرة نظرية، وإنما مشروع حضاري يرتبط بالعمل والإنتاج والعلم، حيث يرى أن الإنسان لم يُخلق ليكون مستهلكًا للحياة، بل ليكون مشاركًا في صناعتها، وأن التقدم العلمي والاقتصادي والاجتماعي الذي يحقق منفعة للناس يمثل صورة من صور أداء رسالة الاستخلاف في الأرض.


وفي إطار هذه الرؤية، يخصص المؤلف مساحة واسعة للحديث عن إعمار الأرض باعتباره التطبيق العملي لفلسفة الاستخلاف، موضحًا أن العمران في المفهوم القرآني لا يقتصر على تشييد المباني أو تنمية الاقتصاد، وإنما يشمل بناء الإنسان، وتطوير المعرفة، وإقامة العدالة، وتعزيز المؤسسات، وترسيخ القيم الأخلاقية التي تضمن استدامة التنمية واستقرار المجتمع.


ويربط الكتاب بصورة مباشرة بين العلم والنهضة، معتبرًا أن المعرفة هي المدخل الحقيقي لتحقيق العمران، وأن المجتمعات التي تجعل التعليم والبحث العلمي أولوية تكون أكثر قدرة على إدارة مواردها وتحقيق التنمية، بينما يؤدي تهميش المعرفة إلى التبعية والتراجع الحضاري، وهو ما يجعل الاستثمار في الإنسان والعلم جزءًا أصيلًا من رسالة الإصلاح التي يدعو إليها القرآن الكريم.


ولا يتوقف الكتاب عند الجانب المعرفي، بل يؤكد كذلك أن العمل المنتج يمثل قيمة حضارية كبرى، وأن جميع المهن والأنشطة التي تحقق منفعة للمجتمع تدخل ضمن مفهوم الإعمار، سواء كانت في الزراعة أو الصناعة أو الطب أو التعليم أو الإدارة أو غيرها، باعتبار أن الحضارة تُبنى بالإنجاز والإنتاج، لا بالشعارات أو الأمنيات.


ويمنح المؤلف قضية العدالة مكانة محورية في مشروع الإصلاح الحضاري، حيث يرى أن العمران لا يمكن أن يستمر في ظل الظلم أو احتكار الثروة أو غياب تكافؤ الفرص، وأن التنمية التي لا تنعكس آثارها بصورة عادلة على المجتمع تتحول إلى مصدر للصراعات وعدم الاستقرار، وهو ما يجعل العدل شرطًا أساسيًا لبناء الحضارة واستمرارها.


كما يتناول الكتاب قضية الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية، مؤكدًا أن مفهوم الإعمار في القرآن يقوم على الاستفادة الرشيدة من الموارد، لا على استنزافها أو إفسادها، وأن حماية البيئة تمثل جزءًا من مسؤولية الإنسان باعتباره مستخلفًا في الأرض، وهو طرح يربط بين القيم الدينية ومتطلبات التنمية المستدامة في العصر الحديث.


ولا يغفل الكتاب الإشارة إلى المعوقات التي تعترض مسيرة العمران، وفي مقدمتها الجهل، وتعطيل الطاقات، والفساد، والظلم، والانقسامات والصراعات، معتبرًا أن مواجهة هذه الظواهر ليست مسؤولية الدولة وحدها، وإنما مسؤولية مجتمعية مشتركة، لأن أي مشروع حضاري لا يمكن أن ينجح في بيئة تفتقد المعرفة أو العدالة أو العمل المنتج.


ويضم الكتاب اثني عشر فصلًا تتناول، إلى جانب مفاهيم الاستخلاف والعمران، موضوعات الإنسان المستخلف، والسنن الإلهية، والحرية والمسؤولية، والعدل، والعمل والإنتاج، والعلم والمعرفة، وبناء الإنسان، وصناعة المستقبل، وصولًا إلى رؤية شاملة للاستخلاف باعتباره مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان المسؤول وإقامة الحضارة.


ويختتم الشرفاء كتابه بالتأكيد على أن مستقبل الأمم لا تصنعه القوة المادية وحدها، وإنما تصنعه منظومة أخلاقية عادلة تحترم الإنسان وتصون كرامته وتطلق طاقاته نحو الإبداع والعطاء، وأن النهضة الحقيقية تبدأ بإصلاح الإنسان فكرًا وسلوكًا، لأنه محور العمران وغاية الرسالات السماوية، وهي الرسالة التي يسعى الكتاب إلى ترسيخها من خلال قراءة معاصرة للمفاهيم القرآنية وربطها بقضايا الواقع وتحديات المستقبل.

google-playkhamsatmostaqltradent