علي محمد الشرفاء الحمادي يكتب..
دولة المسلمين بين الحق والباطل
كُلُّ الرُّسُل الذين أرسلهم الله للبشر منذ (نوح حتى خاتم النبيِّين محمد) يخاطب اللهُ النَّاسَ برسالاته منذ نوح حتى خاتم الأنبياء محمد عليهم السلام، كلفه الله بالتنزيل الحكيم ليبلغَ الناس بالآيات القرآنية التي تضمنت كافة التشريعات الإلهية والمنهَاج الربَّاني التي حملها المُرسَلُون جميعًا للناس في كل زمان ومكان لإعداد الإنسان بالأخلاق والقيم والشرائع التي حملها المرسلون منذ نوح حتى ختام الرسالات بمحمد عليه السلام، وصفات المؤمنين في المنهاج الإلهي التي تضمنتها آيات القرآن الكريم، ليكون فردًا صالحًا في المجتمع الذي يعيش فيه، وإذا استقام الفردُ في المجتمع وارتقت أخلاقُه ومعاملاتُه مع النَّاس بالرحمة والعدل واحترام حرية الإنسان في عقيدتِه وِفقَ المِنهَاج الإلهي والتزم باتباع التشريع الإلهي في كتابه المُبين، فإذا صَلُح الفرد صلُحَ المجتمع وتحقَّقَ للنَّاس فيه العيشُ الكريم في ظل الأمن والسلام والتعاون لتحقيق الإستقرار في الأوطان لتنطلقَ فيها مشاريعُ التعاون والتكامل يُظله الأمنُ والسلام.
وأن أولئك الأفراد الذين استوعبوا أهدافَ الرِّسَالات الإلهية، وطبقوا ما جاءت به الكتب السماوية في كل العصور، تتكون منهم المجتمعات الصالحة المؤمنة بشريعة الله ومنهاجه الأخلاقي في التعامل بين الناس، وعلى رأسها الالتزام بما عاهدُوا اللهَ عليه كما قال سبحانه (مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عليْه) (الأحزاب:23)، بطاعة الله وإتباع هديه في كتابه المبين وفقَ ما بلَّغهم به رسول الله بإتباع عِظَاته وتوصياته في أسلوب التعامل مع المساعدين معه في حمل مسؤولية الدعوة لبناء مجتمع الرحمة والعدل والحرية والسلام والإحسان؛ فخاطب الله رسوله بقوله : (فبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظَّاً غَليظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك فاعْفُ عَنهُم واسْتغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُم فِي الأمْرِ فإذا عَزمْتَ فتَوكَّلْ عَلى الله إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِين) (آل عمران: 159).
يُبيِّنُ الله لرسوله صفات القيادة ليكونَ أُسوة للنَّاس الذين يتحملون مسؤولية القيادة بدءًا من قيادة الدول أو قيادة مختلف القطاعات التي تتطلب قادة يُرشدونَهم إلى تحقيق الأهداف المَنُوطة بهم، ومن تلك المجتمعات يخرج منها القيادات الرشيدة لقيادة الشعوب لتحمُّل الأمَانة بكل الإخلاص والتفانِي في خدمة شعوبهم نحو مستقبل مُشرِق، يحكمون فيه بالعدل بين النَّاس ويسعون بالجهد المخلص والمُثابَرة لتحقيق الحياة الكريمة للمواطنين، كما أمرهم الله: (وإذا حَكَمْتُم بيْنَ النَّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بالعَدْل) (النساء: 58).
لذلك فاللهُ سبحانه يُخاطب الأفراد من النَّاسِ في رسَالاتِه، لأنَّ الفرد إذا صلح، صلُحَ المجتمع كُلُّه، ودعوة الناس للدخول في الإسلام هي علاقة فردية بين الله والإنسان ليس عليه وَكيل في ممَارسة شعَائر العبادة، ولا وصيّ من الله يُراقبُ صلاتَه وصيامَه، وإنَّما هو التزام بين الإنسان وبين الله بطاعته وإتباع كتابه وتطبيق شرعته ومنهاجه في حياته، طاعةً لأمره في إتباع هديه، حيث يخاطبُ اللهُ الإنسانَ في قوله سبحانه: (وابْتغِ فيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَة ولا تَنْسَ نصِيبَك مِنَ الدُّنْيَا وأحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللهُ إليْك ولا تبغِ الفسَادَ فِي الأرْضِ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِين) (القصص: 77).
لذلك لم يرسل اللهُ رسلَه وأنبياءَه لدعوة النَّاس للإسلام، ولا يجوز توظيف الإسلام في خدمة السياسة والأهداف الدنيوية سياسية أو اقتصادية مثل تسمية الدول (بالدولة الإسلامية) أو في المجال الإقتصادي توظيف الإسلام لتسويق البنوك والمؤسسات الاقتصادية بتسميتها بالإسلامية لتحقيق أهدافهم في استقطاب العملاء وما يعود على أصْحَاب البنوك من زيادة في الأربَاح المَالية.
وأما السياسيون الذين يطمعُون في الحكم في بعض الدول للوصول إلى السلطة والتسلُّط على النَّاس يستخدمون الإسلام لتحقيق أهدافهم الشخصية والأنانية باسم الإسلام والذين يحكمون باسم الإسلام يلتفُّ حولهم العديد من المنافقين ممن يُسمَّونَ بالعلماء وشُيوخ الدين من المنافقين يُحلِّلُون الحرام وما حرَّم الله، ويُحرِّمُون ما أحلَّ الله للنَّاس وقد حذَّرهم الله سُبحَانه بقوله: (ولا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ ألسِنَتُكُم الكَذِبَ هذا حَلَالٌ وَهَذا حَرَام لتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ إنَّ الذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الكَذِبَ لا يُفلِحُون) (النحل: 116).
كما أن الخلافة ليست نظامًا مُقدَّسًا بل هو نظام حكم اتفقَ عليه النَّاس في الماضي وتحول المُسمَّى إلى الملكيات أو الجمهوريات، ولا علاقة مُطلقًا بين مختلف مُسميات تلك الأنظمة الحَاكِمة بالأديان وهي ليست مبدأً دِينيًا أو أمرًا إلهيًا وليس لها مِيزة أن رَفَعت شعار الإسلام في حكمها لخداع النَّاس وتبرير تصرُّفاتِها الظالمَة والقاسِية التي يترتب عليها مُعَاناة المحكومين، وليست مُميَّزة عن غيرها من مسميات أنظمة الحكم في العالم ولا علاقة لها على الإطلاق بالإسلام والتشريعات الإلهية.
ولنَنْظرْ إلى التاريخ البعيد، ماذا فعلت بنفسِها الدولة العباسية والدولة الأموية؟ وكلاهُما كان يحكم تحت شعار الخلافة الإسلامية، نجد كم من الجرائم ارتكبها خلفاءُ بني أميَّة والخلفاءُ العبَّاسيون فيما بينهم وضد إخوتهم المسلمين، والصراعات التي استمرت عقودًا لم يمنعها مصطلح الخلافة الإسلامية من الاعتداء والصراع من أجل السلطة والمصالح الشخصية والأطماع السياسية، ولكن المنافقين يستخدمون مصطلح الخلافة في محاولة لتزييف الحقائق وإغواء الأميين لإتباعهم، ليكونوا وقودًا لمعارِكِهم وأطماعهِم السياسية، ولو كانوا حقًا يحكمون باسم الإسلام لأطاعُوا الله وما بلَّغهُم رسولُه باتِّباع كتاب الله المُبين وتطبيق شِرعَة الله ومنهَاجِه في حكم الدول حيث يأمرُهُم الله بقوله: (إنَّ اللهَ يَأمُرُكُم أنْ تُؤدُّوا الأمَانَاتِ إلى أهْلهِا وإذا حَكَمْتُمْ بيْنَ النَّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بالعَدْل إنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِه إنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بصِيرًا) (النساء: 58).
كما يأمرهُم الله سبحانه بقوله: (واعْتَصِمُوا بحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا و لاتفرَّقُوا) (آل عمران: 103)، هل أطاعوا الله واعتصموا بكتابِه وطبَّقوا إرشادَه واتبعوا تشريعاته ومنهاجه بل عصوا ما بلغهم به رسول الله وسعوا يُفسدون في الأرض ويسفكون الدماء بينهم ظلمًا وعدوانًا فأعرضوا عن آياته التي تهديهم إلى طريق الحق والخير والصواب، وأهملوا ما أمرهم الله ليتبعوا هديه في قرآنه الذي لم يستمعوا إليه ولم يؤمنوا به بل هجروا وتنكروا لآياتِ ربهم ولم يحكموا بما أنزلَ الله فأصبحوا من الفاسِقين، ذلك هو حُكمُ الله على كل من لا يتَّبِع القرآن ولا يحكم بتشريعاته.
كما أنَّ اللهَ خاطبهم رحمةً بهم بإنذار استباقِي، حتى يحميهم من الكَوَارث والنكَبات ويأمرهم بقوله سبحانه (وأطِيعُوا اللهَ ورسولَه ولا تَنَازعُوا فتفشَلُوا وتذْهَبَ رِيحُكُم) (الأنفال: 46).
هل استجابوا لدعوة الله من أجل مصلحتهم لينقذهم الله سبحانه مما ينتظرهم من خطر عظيم إلى يومنا هذا؟! يسفكُون الدماءَ ويقتلون الأبرياء ويظلمون النَّاسَ وينهَبُون ثرواتِهم ويَسْطُونَ على ممتلكاتهم غير مُبَالِين بتحذير الله للمجرمين والطُّغاة في الذكْر الحَكيم، ألم يأمر اللهُ الذين نطقوا بالشهادتيْن وآمنوا بالله ربًا وإلهًا واحدًا لا شريكَ له وكتابِه الذي أنزله على رسوله وبمحمد عبد الله ليبلِّغ الآيات القُرآنية للنَّاس جميًعًا ويتبعوا أحكامه وتشريعاته ومنهاجه الأخلاقي، يقول سبحانه: (وتعَاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَقْوى ولا تعَاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدوَان) (المائدة: 2).
هل أطاعَ اللهَ المسلمون وامتثلُوا لأمره وطبَّقُوا شِرعتَه ومِنهَاجه أم اتخذوا الشيطان وليًا لهم واستجابوا لطاعته، فسفكُوا الدمَاء بين الأقربين والصحابة في سبيل الصراع على السلطة الدنيوية منذ وفاة الرسول إلى اليوم، ولذلك نبَّأَ الله رسولَه بتفرُّق المسلمين وبلَّغ الرَّسُولَ أنك لست منهم لأنهم لم يتبعوا ما أنزل الله وما بلغتهم من الآيات القرآنية ليتخذوها هاديًا ومُرشدًا ودستورًا لهم في حياتهم وِفقَ خطاب الله لرسوله بقوله سبحانه: (إنَّ الذِينَ فرَّقُوا دِينَهُم وكَانُوا شِيَعًا لسْتَ مِنْهُم فِي شَيء إنَّمَا أمْرُهُم إلى اللهِ ثُمَّ يُنَبِئُهُم بمَا كَانُوا يَفْعَلُون) (الأنعام: 159)، فأين المسلمون من اتِّباعِهم رسول الله ان كانوا يدَّعُون بأنَّهم مُسلمون وبشهادة الله وبما نطقه الرَّسُول عن ربه يتهم المسلمين بأنَّهم تراجعوا عن شهادتهم بالله وبرسُولِه واتبعوا أولياء الشيطان يسُوقونَهم كالأنعام إلى حياة الضَنْك والشقاءِ والحُروب وسفك دماء الأبرياء مما ينتج عن ذلك تفرُّقِ المسلمين واستدعاء أعدائهم ليحتلُّوا أوطانَهم وينهَبُوا ثرواتِهم ويُصَادِرُون ممتلكاتِهم.
فلينظِر المُسلِمُون ما تقوم به بعض الجماعات المتطرفة التي تتخذ من الإسلام غطاءً لتبرير العنف، مثل (داعش والقاعدة والإخوان وغيرهم)، مما استجد وهي ممارسات لا تمُتُّ إلى مقاصد الشريعة وتعاليم الإسلام بصلة، وما يقوم مُنتسبُوها من سفك الدماء وتشريد النَّاس من أوطانهم، وخلق الخوف والفزع في المجتمعات الإنسانية بتفجير القنابل في أجساد الآمنين، ثمَّ تليها القاعدة والإخوان والتكفيريون وغيرهم من أتباع الشيطان الذين يستمتعون بقتل الأطفال واستباحة حَقِّ الحياة للنساء وقتل الأبرياء، هل ما يقوم به أولئك الضَّالُون هي مبادئ الإسلام التي تدعو للرحمة والعدل والحرية والسلام والإحسان، وتحريم قتل الإنسان واستباحة حقوقِه وتشريده من وطنه؟
فكم استُخدمَ الإسلام في قضايا سياسية! ورأينا حجمَ الدماء التي أُسِيلَت حتى اليوم، من قطع رقاب الأبرياء وتعذيب الآمنين الذي لم يتوقف حتى اليوم، وهم يَحملون شعار (الله أكبر) علمًا بأنهم لو كانوا مسلمين لم يُفسدوا في الأرض ولم يعتدوا على النَّاس، ولم يُدمِّرُوا أوطانَهم ومدُّوا أيديهم للمشركين وأعداء السلام والحرية يشاركون أعداءَ الله وأعداءَ الوطن في تدمير بلدانهم وتشريد أهاليهم، فكل نظام سياسي خلافة كانت أو جمهورية أو ملكية اتخذت الإسلام شعارًا، فليتذكر النَّاسُ جرائمَ من سبقهم وما ارتكبوه باسم الإسلام من بغي وعدوان وطغيان وقتل الإنسان الذي حرَّمه اللهُ بين النَّاس.
وليعلم النَّاسُ أن دعوة الله برسالاته يحملها رسلُه وأنبياؤه كانت دعوة للإنسان ذكرًا أو أنثى دعوة للإنسان في كل مكان وزمان ليحيا حياة مطمئنة في أمن وسلام، ولم تكن دعوة لإنشاء دولٍ إسلامية أو جمهوريات إسلامية أو مملكة إسلامية، فكفى بالنَّاس خِداعًا استمر أكثر من أربعة عشر قرنًا، فليس في رسالة الإسلام كَهَنة أو أحْبَار أو شيوخ دين، إنَّما هي علاقة مع الله مباشرة بين الإنسان وربه، ليس بها وسيط أو سِمسَار، كما قال قال الله سُبحانه مُخاطبًا رسولَه الأمين: (وإذا سَألَكَ عِبَادِي عَنِّي فإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ فلْيَسْتَجِيبُوا لِي وليُؤمِنُوا بِي لعلَّهُم يَرشُدُون) (البقرة: 186)، دعوة الله للناس جميعًا كما جاء في خطاب التكليف الإلهي للرسول وشرط الإستجابة للدعاء عند الله كما جاء في الآية المذكورة أعلاه، فالله يستجيب لدعاء الإنسان إذا آمن بالله إيمانًا صادقًا وملتزمًا بشرعة الله ومِنهَاجِه ومُطبِّقًا إياهم في حياته، فالله يستجيب لدعاء الإنسان كما أوْفَى بطاعة الله فالله سبحانه سيَفِي بالإستجابة لدعائه كما قال أيضًا لتأكيد المضمون المذكور أعلاه في قول الله سبحانه: (إنْ تنصُرُوا اللهَ ينصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أقدَامَكُم) (محمد: 7)، فنصرُ الله هو إعلاء كلمة الله في الأرض وطاعته في كل ما أمر الإنسان في الآيات القرآنية، فبذلك ينصر اللهَ واللهُ سينصرُه وعدًا مُقدَّسًا من ربِّ العالمين.
لقد خدعت تلك الأنظمة في الماضي والحاضر المسلمين بتوظيفهم شعار الإسلام في خدمة طموحاتهم السياسية وأطماعهم الدنيوية، واتَّبعوا الشيطان فسوَّل لهم أعمالهم، ليرتكبوا الجرائم ضد الإنسان بما ظلموا وسفكوا من دماء الأبرياء وشرَّدوا النَّاسَ من أوطانهم، بالرغم من أن الله سبحانه حذرهم من ذلك بقوله (وَإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُم لا تسْفِكُونَ دِمَاءَكم ولا تُخرِجُونَ أنفسَكُم مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أقْرَرْتُم وَأنتُمْ تَشْهَدُون) (البقرة:84).
ويوم القيامة عند الحساب يُحذِّر اللهُ الناسَ من مشهد عظيم سَتَنكَشِفُ سوءَاتُهم وتتبين خطاياهُم وسَيُحاسَبُ المُجرِمُون على جرائمهم كما قال الله سبحانه: (أفلَا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ مَا فِي القُبُور. وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور. إنَّ رَبَّهُم بِهِم يَوْمَئِذٍ لَخَبِير) (العاديات: 9-11).
ثم يُصورُ القرآنُ مشهدَ يوم القيامة ليتَّعظَ من خالفَ أمر الله ولم يطع آياتِه في قرآنه، حيث يقول سُبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلكَ يَوْمُ الوَعِيد. وجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سَائِقٌ وَشَهِيد) (ق: 20-21)،وجاء النَّبأ الإلهِي في قولِ الله سُبحَانه: (وَيوْمَ يَعَضُّ الظَالِمُ على يَديْهِ يَقُولُ يا ليْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. يَا وَيْلَتَي ليْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا. لقَدْ أضَلَّنِي عَن الذِّكْر بَعْدَ إذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَيْطَانُ للإنْسَانِ خَذُولًا) (الفرقان:27-29).
سيقف الظالمون يومئذ نادِمين فلن ينفعَهم علماؤهم وشيوخُ الدِّين فسيقضِي اللهُ بحكمه العادل حين تفتح أبواب جهنم ليواجه الظالمون ما ارتكبوه من السيئات، كما عرض القرآن ذلك المشهد العظيم يوم الحساب بقوله سبحَانُه: (وسِيقَ الذين كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حتى إذا جَاؤوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقال لهم خَزَنَتُها ألمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُم يَتْلُونَ عَليْكُم آيَاتِ رَبِّكم وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُم هَذا قَالُوا بَلَى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِين) (الزمر: 71)، فظهر الحق وزهَقَ الباطلُ واعترف الظالمون بذنوبِهم وأقرُّوا بحكمِ الله عليهم فخَسِروا الدنيا والآخرة.
لذلك من الظلم والإجحاف في حق الله إتخاذ شعار الإسلام وسيلة لتسمية الدول أو المؤسسات الإقتصادية أو المؤتمرات، لأنَّ تسمية الإسلام مقصورة على شريعة الله وحده الذي بلَّغ النَّاسَ بلسان رسولِه بقولِه: (إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلام) (آل عمران؛19)، فالإسلام دين شرَّعه الله سبحانه للنَّاس جميعًا فلا يجوز لأي دولة أو طائفة أو حزب توظيف الإسلام أو بنك أو أي مؤسسة مالية في خدمة المصالح الدنيوية الأنانية، فالإسلام هو حقٌ إلهيٌ مُطلَق لا يُسمَح لأي كان استخدامُه في تحقيق أهدافه الدنيوية، ورسالة سامية للبشرية تقودُ الإنسانَ إلى طريق الخير والطمأنينة والسلام وتُحقِّقُ له الأمن والاستقرار والحياة الطيبة.
ولابد من إعادة النظر بإصدار قانون يمنع منعًا باتًا استخدام كلمة (الإسلام) للأغراض السياسية والإقتصادية، بل يتطلب التعظيم والتكريم والإجلال لله الواحد الأحد الذي أرسل الرُّسلَ والأنبياء برسالة الإسلام ليدعوا النَّاسَ إلى طريق الحقِّ المستقيم الذي يقِيهم شقاءَ الدنيا ويُحصِّنُهم في الآخرة من نار الجحيم، ومن يتمَادى في تسخير الإسلام لمصالحه السياسية والإقتصادية، فليرتقب من الله غضبًا، وأعدَّ له يومَ القيامة عذابًا أليمًا، وخسِر الدنيا والآخرة.
إنَّ بدعة اسم الله الأعظم يندرج ضمن الأكاذيب الكثيرة وما نقلته الروايات المُزوَّرة والأساطيرُ الخرافية لخداع الناس بالأكاذيب، فقد عَرَّفَ اللهُ سبحانه نفسَه بقولِه: (هُو اللهُ الذي لا إلهَ إلا هُو عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَة هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم. هُوَ اللهُ الذِي لا إلهَ إلا هُو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّار المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُون. هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَه مَا فِي السَّمَاوَاتِ والأرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيم) أواخر سورة الحشر، ثمَّ يؤكِّد سُبحانَه في قولِه: (قُلْ أُدْعُوا اللهَ أوِ أُدْعُوا الرحْمنَ أيًا ما تدعُوا فلَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى) (الإسراء: 110).
تلك الآيات تفنِّدُ كذِبَ الروايات والمقولات الأسطورية حول ما يسمى (إسم الله الأعظم) يُخادعُون به النَّاسَ الجُهَّال فمثل ما كذبوا على الرسول عليه الصلاة والسلام وزوَّروا روايات الباطل والبُهتان التي خلقت الفتنة ومزَّقت المسلمين بين فرق متناحرة متصارعة منذ أربعة عشر قرنًا حتى اليوم افتروا على الله بأن له إسمٌ أعظم؟؟؟ والله سبحانه يفضحهم ويُكذِّبهم على بدعة الإسم الأعظم حين يخاطب الرَّسُولَ عليه السلام ليبلِّغ الناس ويبين لهم أنَّهم يفترون على الله بقوله سُبحانه: (قُلْ أُدْعُوا اللهَ أوِ أُدْعُوا الرحْمنَ أيًا مَا تَدْعُوا فلَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقد وقع الكثير من الدعاة في تأويلات لا تتفق مع دلالة القرآن الدقيقة في شروط استجابة الدعاء، ومن ذلك الاعتقاد أن مجرد ذكر الصلاة على النبي تمحِي الذنوب أو الدعاء بأسماء الله الحسنى تضمن الإستجابة دون الالتزام بالشروط القرآنية، بينما الإستجابة مُرتبطة بطاعة الله في تحريمه ونهيه واتباع مِنهَاجِه وتشريعاته بالتمام والكمال دون نقصَان، عندها يستجيب الله لعباده الذين صدَّقُوه، والله وضع شرطًا لكي يستجيبَ دعاءَ الإنسان في قولِه سُبحانه مُخاطِبًا رسولَه ليبيِّنَ للنَّاسِ شروطَ الإستجابة: (وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ) (البقرة: 186)، فمتى يستجيبُ اللهُ للداعِي، إذا اتَّبعَ الشرطَ الذي وضعه اللهُ للإستجابة: (فلْيَسْتجِيبُوا لِي وليُؤمِنُوا بِي لعلَّهُم يَرْشُدُون) (البقرة: 186)، فإذا تحقَّقَ الشرط واتبع الدَّاعِي ما أمَره الله بالاستجابة إلى كافة ما وردَ في الآيات القُرآنية، وآمنوا بالله إيمانًا صادقًا وأطاعُوا اللهَ ورَسُولَه فيما بلَّغهُم عن رَبِّه من آيات الذكر الحكيم تتحقَّقُ الإستجابةُ الإلهية للدَّاعِي.
لذلك ليَكُن كتابُ الله هو المرجعية الوحيدة لرسالة الإسلام وهو الفيْصَل في تلك الروايات والتحريف في رسالة الإسلام، رسَالة الرحمَة والعدل والحرية ودعوة لإحترام العقل، وليَرْجعْ لكتابِ الله ليهديَهُ إلى طريق الحقِّ والخير والسلام.
