recent
أخبار ساخنة

مجدى طنطاوى يكتب حين يتحول الفرح إلى تهمة


 مجدى طنطاوى يكتب

حين يتحول الفرح إلى تهمة


لم يكن المشهد هو الذي استوقفني بل الحكم الذي صدر عليه في لحظة

فتاة تقف عند إشارة مرور تبيع بعض مستلزمات السيارات تحت شمس لا ترحم وعيون لا تكف عن التحديق وأصابعها مطلية بلون منكير هادئ

صديقي لم ير التعب الذي تحمله على كتفيها ولم ير ساعات الوقوف ولا قسوة الحاجة ولم يسأل لماذا خرجت فتاة في عمر الزهور لتقف بين السيارات تبحث عن الرزق بكرامة

كل ما رآه هو لون على أطراف أصابعها

قال مستنكرا كيف نتعاطف معها وهي تضع منكيرا

وسكت قليلا لكن السؤال ظل يطاردني

من الذي أقنعنا أن الفقير لا يستحق أن يفرح

ومن الذي كتب في دستور الحياة أن من ضاقت به الدنيا يجب أن يبدو بائسا حتى يصدق الناس فقره

إننا لا نحاكم الفقر بل نحاكم الإنسان الفقير

لا نطالبه فقط بالصبر والعمل بل نطالبه أيضا أن يتخلى عن كل ما يذكره بأنه إنسان

كأن الأنوثة رفاهية لا تليق بالمعدمين

وكأن الجمال جريمة إذا سكن بيتا متواضعا

وكأن الابتسامة شهادة زور إذا خرجت من وجه أنهكه التعب

إنها فلسفة قاسية لم يكتبها قانون لكنها استقرت في العقول

فلسفة تجعل التعاطف مشروطا بأن يكون الإنسان محطما تماما

فإذا حاول أن يرمم روحه اتهموه بالادعاء

وإذا اعتنى بمظهره سحبوا منه حق الشفقة

وإذا ضحك قالوا إنه لا يستحق المساعدة

كأن المجتمع لا يطمئن إلا إلى الفقير الذي يرتدي البؤس من رأسه إلى قدميه

لكن الحقيقة أعمق من ذلك

فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده

إنه يعيش أيضا بالإحساس بأنه ما زال جديرا بالحياة

وقد يكون ذلك اللون الصغير على أصابع فتاة أنهكها السعي هو آخر ما تبقى لها من إعلان أنها لم تستسلم

قد يكون رسالة صامتة تقول

أنا أبيع في الشارع نعم

لكنني لم أفقد حقي في أن أكون فتاة

ولم أفقد حقي في أن أحب الجمال

ولم أفقد حقي في أن أرى نفسي في المرآة دون أن أعتذر عن وجودي

إن الحضارات لا تقاس بطريقة تعاملها مع الأقوياء بل بطريقة نظرها إلى الضعفاء

فإذا كانت تنزع عن الفقير حقه في الفرح فقد نزعت عنه إنسانيته قبل أن تنزع عنه ماله

وإذا كانت ترى أن الكرامة لا تليق إلا بالميسورين فهي لم تفهم معنى الكرامة أصلا

لست أدري لماذا يخيف بعض الناس أن يروا زهرة نبتت بين الصخور

ولماذا يضيق صدرهم إذا وجدوا لونا صغيرا يقاوم رماد الحياة

ربما لأنهم اعتادوا أن يربطوا الفضيلة بالقبح وأن يربطوا الحاجة بالاستسلام

بينما الحقيقة أن أجمل ما في الإنسان أنه يقاوم قسوة الواقع بكل ما يملك

مرة بالعلم

ومرة بالأمل

ومرة بابتسامة

ومرة بلون منكير على أطراف أصابع فتاة تقف عند إشارة مرور وتقول للحياة بصمت

لن أجعل الفقر يسرق مني آخر ما أملك

إنسانيتي

google-playkhamsatmostaqltradent