recent
أخبار ساخنة

الصحفى محمد معتز يكتب .. بين الطيب والقوي.. معضلة لم يحلها التاريخ بعد


الصحفى  محمد معتز يكتب ..

 بين الطيب والقوي.. معضلة لم يحلها التاريخ بعد 


في عام 1866، أراد الخديوي إسماعيل شيئاً واحداً من السلطان العثماني عبد العزيز ألا وهو تحويل حكم مصر من الأكبر فالأكبر إلى الأب فالابن، وراثةً مباشرة تجعل عرشه ملكاً لذريته لا لأعمامه، طلب صغير في صياغته، ضخم في معناه، فأقام إسماعيل في إسطنبول احتفالات باذخة لم ترها المدينة من قبل، وأغدق على أصحاب النفوذ في البلاط ما أغدق، حتى صار الطريق إلى القرار مفروشاً بالذهب قبل أن يُطرق بابه وجاءه المرسوم سجل المؤرخون ذلك. لكنهم لم يسجّلوا ما إذا كان السلطان قد أعطى عن قناعة أو عن استمالة اكتفوا بأن إسماعيل أخذ ما أراد  وهذا يكفي.


عندما يجلس المؤرخ ليكتب عن حاكم مضى، لا يسأل كثيراً عن طبيعة الرجل، لا يسأل هل كان رحيماً؟ هل كان عادلاً في بيته قبل عرشه؟ يسأل سؤالاً واحداً فقط، هل بقي؟ ومن هذا السؤال الواحد وُلدت أحكام ملأت كتب التاريخ


فلان كان قوياً، علّان كان ضعيفاً، هذا حكم بحزم، ذاك كان يُؤخذ منه بسهولة، لكن نادراً ما يتوقف المؤرخ ليسأل: ما الذي يعنيه الضعف أصلاً؟


تصور المشهد الذي تكرر على مر العصور، في قصور السلاطين وديوان الخلفاء وقاعات الحكام على اختلاف عصورهم، يقرر أحدهم أن يطلب شيئاً منحة، أرضاً، منصباً، أو مجرد قرار يُصدر باسمه، يعلم أن الوصول ليس سهلاً، فيدفع لمن حوله، أو يقيم احتفالاً يليق بمقام من يُدعى إليه، أو يكيل من المديح ما يُرضي الغرور ويُلين الصخر، وفي النهاية يحصل على ما أراد.


ثم يجيء المؤرخ ويكتب: "كان هذا الحاكم طيباً، سهل الاستمالة." والطريف أنه لا يقصد المديح.



في المقابل، حاكم آخر يعلم تماماً ما يجري يرى الاحتفال ويفهم ما وراءه، يقبل الكرم ويستمتع به، ثم يخرج ويقول: "لا"، أو يؤجل أو يضع شرطاً لم يكن في حسبان الطالب، فيعود الطالب خائباً، ويصف الحاكم لمن سيسمعه بعد قرون: "هذا صعب المراس، لا يلين."والمؤرخ يكتبها مناقب، وهنا تكمن المعضلة؛ التاريخ حكم على هذين الرجلين بمعيار النتيجة لا بمعيار الجوهر.


 الأول أعطى فوُصف بالضعف والثاني رفض فوُصف بالقوة لكن أحداً لم يسأل هل ما أعطاه الأول كان خطأً أصلاً؟ وهل ما رفضه الثاني كان رفضاً مبنياً على مبدأ أم على مزاج؟


الحقيقة أن كثيراً مما وصفه التاريخ بالضعف لم يكن في جوهره إلا إنسانية غير محمية بقرار صائب، الحاكم الطيب لم يكن ضعيفاً لأنه طيب بل لأنه لم يتعلم فصلاً واحداً بالغ الأهمية، أن روحه شيء، وقراره شيء آخر، ولا يجوز أن يحكم أحدهما الآخر.


الناس يخلطون دائماً بين ثلاثة أشياء تبدو متشابهة من بعيد، الطيبة صفة روح، والضعف غياب إرادة، والقسوة هروب من الرحمة خوفاً من الاستغلال، والثلاثة تختلط في التاريخ اختلاطاً يصعب فكّه.


الحاكم القوي الحقيقي لم يكن قاسياً  كان قادراً على أن يشعر بكل شيء ويقرر بمبدأ، يقبل الضيافة إنساناً، ثم يخرج من المجلس ليسأل نفسه بهدوء سؤالاً واحداً، هل كنت سأوافق على هذا الطلب لو جاءني من شخص لا أعرفه ولم يقدم لي شيئاً؟


ولعل أخطر ما يقع فيه صاحب السلطة أنه يخلط بين الامتنان والالتزام، أي أحسن إليه أحد فشعر أنه مدين، وما إن يشعر المرء بالدَّين العاطفي حتى تبدأ قراراته تنحرف، ببطء لا يكاد يُلاحَظ، نحو إرضاء الدائن لا نحو ما يجب.


الامتنان شعور إنساني لا يُنكر لكن القرار ملك لمن يحمل المسؤولية، لا هبة تُمنح لمن صفّق.


ثم يأتي من التاريخ سؤال أعمق من كل ما سبق، لماذا مال المؤرخون دائماً إلى مدح القوي وتصنيف الطيب في خانة الضعفاء؟ لأن الرواية التي تصل إلى الأجيال التالية تكون في الغالب رواية من استطاع أن يحافظ على دولته أو نفوذه أو أثره أما الحاكم الطيب الذي آثر أن يكون إنساناً على حساب الهيبة التي لا تُخترق، فقد ترك أثره في نفوس من عاشوا في كنفه لكنه لم يترك الأثر نفسه في السجلات التي دونت وقائع السلطة والصراع.


ولو سألت من عاشوا في تلك الحقبة من الناس العاديين من لا يكتبون التاريخ ولا يُذكرون فيه لأجابوا بإجابة مختلفة كثيراً عما دوّنه المؤرخون.


المعضلة الحقيقية إذن ليست طيب أم قوي؟ المعضلة الحقيقية هي كيف يكون الإنسان طيباً في روحه وقوياً في قراره في آنٍ واحد؟ والجواب في كلمة واحدة وهي "الفصل".


لا الفصل الذي يجعلك جافاً لا تشعر، بل الفصل الذي يجعل مشاعرك في مكانها وقراراتك في مكانها دون أن يتداخل أحدهما بالآخر، وهذا لا يولد مع الحاكم إنه عادة تُبنى بوعي متواصل وسؤال لا يتوقف.


 سؤال يقوله كل رئيس لنفسه بعد كل مجلس وكل احتفال وكل لحظة تودد، لو جاءني الطلب نفسه من رجل لا أعرفه هل كنت سأصدر القرار نفسه؟

google-playkhamsatmostaqltradent