أسامة إبراهيم يكتب: الحرية الدينية في القرآن .. قراءة تحليلية في رؤية المفكر علي الشرفاء
في مقال المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، بعنوان : "القرآن الكريم استشراف لمبادئ الحرية الدينية" يربط فيه بين الحرية الدينية ووحدة الأصل الإنساني، من خلال الآيات التي تؤكد أن البشر جميعًا خُلقوا من نفس واحدة، وأن معيار التفاضل الحقيقي هو التقوى والعمل الصالح لا الانتماء العرقي أو القبلي. وهنا تكمن قوة المقال وتلك الرؤية من خلال هذا الربط الذي يعزز قيم التعايش والاحترام المتبادل بين الناس على اختلاف معتقداتهم.
يقول المفكر علي الشرفاء: في ظل الوحدة والتفرد التي يشدد عليها الإسلام في تصوير الإنسان، يتجلى الحق الأساسي الذي منحه الله لكل فرد من البشر في اختيار دينه ومعتقداته بحرية تامة، وهو الحق الذي أكده الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، حيث يُظهر قوله تبارك وتعالى في سورة الكهف: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» (الكهف: 29)،
..حق الإنسان في اختيار إيمانه دون أي إكراه أو إلزام
كما يبرز المقال البعد الإنساني في الرسالة الإسلامية، حيث يجعل من الحوار والتعارف والتسامح وسائل لبناء العلاقات بين الشعوب والأديان، وهو طرح يتوافق مع المقاصد القرآنية الداعية إلى التعارف والتعاون على الخير.
ويقدم المقال قراءة تركز على الجانب القرآني الداعي إلى حرية الاختيار والمسؤولية الفردية، وتدعو إلى ترسيخ ثقافة التسامح والحوار واحترام الكرامة الإنسانية، وهي قيم تظل ذات أهمية كبيرة في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى التفاهم والتعايش بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة.
تميز مقال علي الشرفاء الحمادي بأنه لا يقتصر على الحديث عن الحرية الدينية بوصفها حقًا اجتماعيًا أو سياسيًا، بل يؤسس لها باعتبارها مبدأً قرآنيًا أصيلًا مرتبطًا بفلسفة الخلق الإلهي للإنسان. ويمكن تحليل المقال من خلال عدة محاور فكرية رئيسية:
أولاً: الحرية الدينية باعتبارها سنة إلهية
ينطلق الكاتب من قوله تعالى: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ»، ليؤكد أن الإيمان لا يفقد قيمته إذا لم يكن نابعًا من إرادة حرة. فالله سبحانه، رغم قدرته المطلقة، لم يشأ أن يجعل البشر أمة واحدة على عقيدة واحدة قسرًا، بل منحهم القدرة على الاختيار.
ويظهر ذلك أيضًا في استشهاد المقال بقوله تعالى:
«وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ».
يقول الشرفاء الحمادي: يحظى الإنسان بحق أساسي، وهو حق الحرية في الاختيار الديني والتعبير عن معتقداته بما يتفق مع رغبات قلبه وضميره، يعكس هذا الحق الرفيع قيم العدالة والإنسانية التي يحملها الإسلام، مؤكدًا على أن الدين ينبغي أن يكون خيارًا شخصيًا يستند إلى الإقناع والقناعة.
هنا يبرز الكاتب فكرة عميقة مفادها أن التنوع في المعتقدات ليس فشلًا في الهداية الإلهية، بل جزء من حكمة الله في ابتلاء الإنسان واختبار إرادته. فالاختيار الحر هو الذي يجعل الإنسان مسؤولًا عن أفعاله أمام خالقه.
ثانياً: نفي سلطة الإكراه في الدين
من أهم المحاور التي يعالجها المقال تأكيده أن وظيفة الرسول هي البلاغ والبيان، لا الإكراه والإجبار. ويتجلى ذلك في استحضار الآية الكريمة:
«لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ».
وتعليقًا على هذه الآية يقول:
ينهى الله سبحانه في تشريعه عَنْ إرغام الناس في الدخول في دين الإسلام وترك لهم الحرية المطلقة في اختيار عقيدتهم ومذاهبهم وأديانهم دون إكراه أو يفرض على الناس أداء الشعائر الإسلامية بالقوة في الصلوات والزكاة والصوم والحج، وترك الله للناس الحرية المطلقة في تأدية شعائر العبادات وهو حق خالص من حقوق الإنسان، لا رقيب عليه غير الله وحده يقضي ما يشاء على عبده".
ويكشف هذا الطرح عن رؤية ترى أن الاقتناع العقلي والوجداني هو أساس التدين الحقيقي، وأن ممارسة الشعائر الدينية تفقد معناها إذا تحولت إلى استجابة للخوف أو القهر. فالإسلام، وفق قراءة الكاتب، لا يسعى إلى إخضاع الضمائر بقدر ما يخاطب العقول والقلوب بالحجة والبرهان.
ثالثاً: الوحدة الإنسانية أساس الحرية والمساواة
لا يكتفي المقال بالحديث عن حرية الاعتقاد، بل يربطها بمبدأ أوسع هو وحدة الجنس البشري. ففي استشهاده بقوله تعالى:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا».
يقول الشرفاء الحمادي: فالناس جميعاً خلق الله وانتماؤهم إلى نفس الأصول، منذ خلق الله آدم وزوجته، حيث بين سبحانه للناس فيما يلي وحدة الخلق الإنساني في قوله: «يَا ايهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات: 13).
ينتقل الكاتب من دائرة الحرية الفردية إلى دائرة الأخوة الإنسانية. فالناس جميعًا ينتمون إلى أصل واحد، وما يميزهم ليس الدين أو العرق أو الانتماء القبلي، وإنما السلوك والعمل الصالح.
وهذا المحور يحمل دلالة حضارية مهمة؛ إذ يجعل من التعدد الديني والثقافي وسيلة للتعارف والتكامل لا سببًا للصراع والتنازع.
رابعاً: المسؤولية الفردية أمام الله
يؤكد الكاتب أن الحرية في القرآن ليست حرية منفلتة من المسؤولية، بل تقترن دائمًا بالمحاسبة. ولذلك استشهد بقوله تعالى:
«فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ».
فالإنسان حر في الاختيار، لكنه يتحمل نتائج اختياره. وهذه الفكرة تمثل توازنًا دقيقًا بين الحرية والمسؤولية؛ إذ لا معنى للمساءلة الإلهية إذا كان الإنسان مجبرًا، كما لا معنى للحرية إذا لم تكن مرتبطة بالمحاسبة.
يقول المفكر علي الشرفاء: يبين الله للناس في كتابه الكريم أنهم أخوة في الخلق، ووحدة الانتماء إلى أول الخلق الإنساني آدم وزوجته تأكيداً لقوله سبحانه: «وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم من نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعُ قَدْ فَضَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ) (الأنعام: (98) ، فلا ميزة لإنسان على غيره إلا بالإيمان والعمل كما قال سبحانه (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» (الزلزلة: 7-8 ) .
خامساً: البعد الحضاري للمقال
في خاتمة المقال ينتقل الكاتب من التأصيل القرآني إلى الواقع المعاصر، حين يقول:
في الختام يظهر لنا الإسلام كدين يؤكد على أهمية حق الإنسان في اختيار دينه ومعتقداته بحرية دون تدخل أو إكراه. يُظهر القرآن الكريم وتوجيهات الله لرسوله عليه الصلاة والسلام، أن الحقوق الإنسانية في الإسلام ليست مجرد مفهوم نظري بل تمثل أساسًا يجسد العدل والرحمة.
وفي ظل هذه التوجيهات الإسلامية، يكمن تحدينا في بناء جسور الفهم المتبادل وتحقيق حوارات بنَّاءة بين مختلف الأديان. فالهدف هو تعزيز التسامح ونبذ التعصب، والعمل جماعياً نحو تحقيق السلام والتفاهم العالمي.
إن رسالة الإسلام تدعو إلى التلاحم والتعاون، وهي دعوة لبناء مجتمع عالمي يسوده السلام والعدالة، حيث يحترم فيه الجميع حقوق بعضهم البعض ويعيشون في وئام وسلام.
وهنا تتجلى الرسالة الفكرية للمقال؛ فهو لا يكتفي بإثبات حق الحرية الدينية، بل يدعو إلى تحويل هذا المبدأ إلى ثقافة اجتماعية تقوم على التسامح واحترام الاختلاف. فالتعايش في نظر الكاتب ليس مجرد ضرورة سياسية، بل قيمة دينية وإنسانية مستمدة من القرآن نفسه.
يقدم المقال قراءة قرآنية تؤكد أن الحرية الدينية ليست قيمة مستوردة أو مفهومًا حديثًا طارئًا، بل مبدأ متجذر في النص القرآني نفسه. ويربط الكاتب بين حرية الاعتقاد، ووحدة الأصل الإنساني، والمسؤولية الفردية، والتعايش الحضاري، ليصل إلى رؤية ترى أن السلام المجتمعي والعالمي يبدأ من احترام حق الإنسان في أن يختار معتقده بحرية ووعي ومسؤولية.
.jpg)