مجدى طنطاوى يكتب
حين يتحول الدين إلى خوف
كيف سرق المتشددون طمأنينة الناس رغم أن الله عرّف نفسه بالرحمن الرحيم
لم يبعث الله رسالاته ليزرع الرعب فى القلوب ولا ليحول حياة الناس إلى سجن من اليأس والذنب والخوف الدائم
بل أرسل رسله رحمة وهداية وبشارة للإنسان حتى يعيش مطمئنا إلى عدل الله ورحمته
لكن عبر عقود طويلة نجح بعض المتشددين فى صناعة صورة مرعبة عن الدين
حتى أصبح كثير من الناس يخافون من لقاء الله وكأنهم ذاهبون إلى محكمة لا تعرف الرحمة
وأصبح الإنسان مهما فعل من خير يشعر أنه هالك لا محالة وأن الله لن يرضى عنه أبدا
وهنا تكمن الكارثة
لأن هذا الفكر لا يشوه الدين فقط بل يهدم أعظم حقيقة عرف الله بها نفسه للناس
قال تعالى
﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾
وقال سبحانه
﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
وقال جل شأنه
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
فكيف تحول رب الرحمة فى خطاب المتشددين إلى رب ينتظر تعذيب عباده
وكيف أقنعوا الناس أن الله لا يقبل التوبة ولا يغفر الخطأ
وكأنهم أعلم بالله من كتاب الله نفسه
لقد صنعوا دينا قائما على التخويف المستمر
حتى صار المؤمن يعيش قلقا دائما
إن ضحك خاف
وإن فرح خاف
وإن أخطأ ظن أن أبواب السماء أغلقت فى وجهه
بينما القرآن يقدم صورة مختلفة تماما
قال تعالى
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾
هذه الآية وحدها تهدم كل خطاب اليأس الذى نشره المتشددون
فالله لم يقل لا تغفر لبعضكم الذنوب
بل قال
﴿ الذنوب جميعا ﴾
وقال سبحانه
﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾
بل إن الله جعل العلاقة معه قائمة على الرجاء والعمل وليس على الرعب والكآبة
قال تعالى
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
فالرجاء فى رحمة الله عبادة
وليس جريمة كما يصورها أصحاب التشدد
إن أخطر ما فعله المتشددون أنهم جعلوا الناس تخاف من الله بدل أن تحبه
مع أن القرآن يدعو إلى معرفة الله من خلال رحمته وعدله وإحسانه
قال تعالى
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴾
الودود
أى الذى يحب عباده المؤمنين ويقربهم إليه
كما أن الله يوم الحساب لم يقدم نفسه للناس باسم المنتقم أو الجبار
بل افتتح كتابه الذى يقرؤه المسلم كل يوم بقوله
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
وتكررت الرحمة فى القرآن مئات المرات
ليدرك الإنسان أن الأصل فى علاقة الله بعباده هو الرحمة لا التعذيب
أما الحساب فهو عدل
والله لا يظلم أحدا
قال تعالى
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
وقال سبحانه
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾
فهل بعد هذا العدل من طمأنينة
إن المؤمن الحقيقى لا يعيش آمنا من مكر الله ولا يائسا من رحمته
بل يعيش بين العمل والرجاء
بين التقوى والأمل
يعرف أن الله يعلم ضعفه ويعلم صدقه ويعلم توبته
ولذلك كان القرآن دائما يفتح أبواب العودة
ولا يغلقها أبدا أمام إنسان يريد الإصلاح
قال تعالى
﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾
إن أخطر التدليس أن يصوروا الله لعباده بصورة تخالف كتابه
وأن يجعلوا الناس تخشى لقاء الرحمن الرحيم
بدلا من أن تشتاق إلى عدله ورحمته وكرمه
فالذى خلق الإنسان أرحم به من الناس جميعا
والذى فتح باب التوبة لن يغلقه فى وجه من عاد إليه صادقا
ولهذا فإن أعظم معركة فكرية اليوم
هى تحرير صورة الله فى عقول الناس من تشويه المتشددين
والعودة إلى القرآن الذى أعاد بناء العلاقة بين الإنسان وربه على الرحمة والمحبة والعدل والهداية
قال تعالى
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾
فما أعظم هذا السؤال الإلهى
وما أبعده عن دين التخويف الذى صنعه المتشددون
.jpg)