recent
أخبار ساخنة

د. مصطفى الأقفهصى ..أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية يكتب : حين يصبح التسامح دستورا .. التعايش والمواطنة في السيرة النبوية المباركة


 د. مصطفى الأقفهصى ..أمين الفتوى  بدار الإفتاء المصرية يكتب :حين يصبح التسامح دستورا

.. التعايش والمواطنة في السيرة النبوية المباركة



تأسست الرؤية الإسلامية للوجود البشري على قاعدة أصيلة تعتبر التنوع والاختلاف سُنَّةً كونيةً مقصودة، وغايةً إلهيةً منشودة، تسعى إلى التكامل لا التطاحن.

لم ينطلق الإسلام في نظرته للآخر من منطلق الرفض أو الإقصاء، بل جعل التعارف هو الإطار الحاكم للعلاقات الإنسانية؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13].

وقد أقرَّ القرآن الكريم بأن الاختلاف الديني واقع بمشيئة الله، وتقتضي هذه الحكمة استمراره، مما يستوجب تحويل هذا التنوع إلى ميدان للتنافس في الخيرات وحسن المعاملة، تاركًا الفصل في قضايا الاعتقاد إلى يوم الحساب: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 48].

لم تكن تعاليم الرحمة والتسامح في الإسلام مجرد تنظيرات فلسفية، بل تُرجمت إلى منهج حياة متكامل تجلَّى منذ اللحظات الأولى للدعوة:

ففي العهد المكي، ورغم حالة الاستضعاف، التزم المسلمون بأعلى درجات التسامح وضبط النفس، امتثالًا للأمر الإلهي بكف الأيدي والصبر على الأذى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: 77]، حيث نُهوا عن القتال وصُرفوا إلى ما هو أولى وهو البناء الروحي.

وفي ذات الأمر، تجلت النظرة الإسلامية المنفتحة على الآخر في تفاعل المسلمين مع الأحداث الجيوسياسية آنذاك؛ حيث تعاطفوا مع نصارى الروم (أهل الكتاب) ضد الفرس (الوثنيين)، ونزل القرآن الكريم مبشرًا ومشاركًا إياهم فرحتهم بانتصار الروم: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ۝ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: 4-5]، في دلالة واضحة على احترام المشترك الديني والقيمي.

ثم مع انتقال النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، انتقل التسامح من حيز السلوك الفردي إلى حيز التشريع الدستوري؛ فجعل إفشاء السلام هو الشعار الأول للدولة الوليدة، بخطاب موجه للجميع دون تمييز ديني، فعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه قال: لمَّا قَدِم رسول الله ﷺ إلى المدينة انجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَه، وقيل: قدم رسول الله، قدم رسول الله ﷺ، فجئت في الناس لأنظر، فلمَّا تبينت وجهه عرفت أنَّ وجهه ليس بوجه كذَّاب، فكان أوَّل شيء سمعته يتكلم به أن قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ».

وقد توّج النبي ﷺ هذا التوجه بصياغة أعظم وثيقة دستورية عرفها التاريخ البشري المبكر، عُرفت بـ صحيفة المدينة، والتي أسست لمفهوم المواطنة الحديث قبل قرون من ظهوره، وقامت على عدة بنود جوهرية، أهمها:

المساواة وتكافؤ الفرص: إقرار الحقوق والواجبات لجميع فصائل المدينة على اختلاف أديانهم.

الدفاع المشترك: مسؤولية الجميع في حماية الدولة ضد أي عدوان خارجي.

التكافل الاجتماعي: ضمان شبكة حماية اجتماعية لا تترك محتاجًا أو غارمًا إلا أعانته.

المسؤولية الفردية الجنائية: وإلغاء فكرة العقاب الجماعي.

ثم تجاوز الإسلام هذه المرحلة؛ مرحلة القبول بالآخر إلى مرحلة الحماية الدستورية والعملية لحقوقه، وقد تجلت هذه الحماية في مستويات عدة:

منها حماية دور العبادة: فقد جعل القرآن الكريم دَفْعَ العدوان وتشريع الجهاد سببًا مباشرًا لحماية دور العبادة لغير المسلمين قبل مساجد المسلمين: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].

ومنها الاستقلالية الدينية والإدارية: وهو ما وثقه العهد النبوي لنصارى نجران؛ بضمان حريتهم في ممارسة شعائرهم، وإبقاء أساقفتهم وكهنتهم في مناصبهم دون تدخل، بل والسماح لهم بالصلاة في المسجد النبوي الشريف.

ومنها أيضًا احترام المقدسات: كما حدث في غزوة خيبر حين رُدت صحائف التوراة إلى اليهود ولم تُمس بسوء، في مشهد يعكس قمة النبل الحضاري في التعامل مع مقدسات الخصوم.

ومنها تحريم وتجريم الاعتداء على المعاهدين: فقد سدّت السُنّة النبوية أي ذريعة للمساس بغير المسلمين في دولة الإسلام، وتوعّد النبي ﷺ من يظلم مُعاهدًا أو يكلفه فوق طاقته بأن يكون هو خصمه يوم القيامة.

هذا، وقد خصّت السُنّة النبوية طوائف معينة بمزيد من العناية والوصية، اعترافًا بالأواصر التاريخية والإنسانية، وتبرز هنا الوصايا النبوية المتواترة المعنى بـ قبط مصر، حيث أسس النبي ﷺ علاقة المسلمين بهم على أصل الذمة والرَّحِم والصهر، موجهًا ولاة الأمر وجيوش الفتح إلى اتخاذهم قوةً وأعوانًا لهم في سبيل الله تعالى، وإحسان صحبتهم، في تشريع استثنائي يرسخ أواصر الاندماج المجتمعي والتعايش السلمي .

ومع هذه الوصايا النبوية العظيمة، لم يعزل النبي ﷺ نفسه عن هذا الواقع التعايشي، بل انخرط في المجتمع مشاركا ومواسيًا ومعايشًا، عاد الغلام اليهودي المريض، وقام لجنازة اليهودي قائلًا: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟»، ورهن درعه عند يهودي ليشتري طعامًا لأهله، بل وعفا عن اليهودية التي وضعت له السم في الشاة، مغلّبًا جانب الصفح وإطفاء نار الفتنة على جانب الانتقام الشخصي.

إن المتأمل في السيرة النبوية والتشريع الإسلامي يدرك بيقين أن قيم التسامح والتعايش لم تكن استثناءً تكتيكيًّا فرضته الظروف الوقتية، بل كانت استراتيجية تشريعية حاكمة في حالتي الاستضعاف والتمكين على حد سواء، قدم الإسلام فيهما نموذجًا حضاريًّا فريدًا، حوّل فيه مفاهيم الرحمة والسلام من نصوص تتلى، إلى دستور يُطبق، وحياة تُعاش.

دِينُ السَّمَاحَةِ جَاءَ النَّاسَ اِيتْلَافَا ... يَبْنِي الوِئَامَ وَيَنْفِي البُغْضَ إِجْفَافَا

بِالْعَهْدِ صَانَ حُقُوقَ الخَلْقِ قَاطِبَةً ... مَا كَانَ يَوْمًا لِغَيْرِ الحَقِّ مِطْوَافَا

فِي نَهْجِ أَحْمَدَ لِلْإِنْسَانِ تَكْرِمَةٌ ... أَرْسَى الْمَدِينَةَ إِصْلَاحًا وَإِنْصَافَا

أَضْحَى التَّسَامُحُ دُسْتُورًا وَمِنْهَاجًا ... يُرْسِي الْعَدَالَةَ تِبْيَانًا وَإِنْصَافَا

لَا فَرْقَ فِيهَا لِأَلْوَانٍ وَلَا نِسَبٍ ... كُلُّ البَرِيَّةِ لِـلْـمَعْرُوفِ أَضْيَافَا

google-playkhamsatmostaqltradent