recent
أخبار ساخنة

الصحفى محمد معتز يكتب ..لماذا يحتاجون لصناعة عدو؟ قراءة في "ميكانيزم كبش الفداء" والحرب الصهيوأمريكية على إيران


 الصحفى محمد معتز يكتب ..لماذا يحتاجون لصناعة عدو؟

قراءة في "ميكانيزم كبش الفداء" والحرب الصهيوأمريكية على إيران


في عام 1349، اجتاح الطاعون أوروبا وقتل ثلث سكانها. لم يفهم أحد السبب. لم تكن هناك جرثومة معروفة، ولا تفسير واضح، ولا جهة يمكن تحميلها المسؤولية. لكن المجتمع لم يتحمّل هذا الفراغ طويلًا، فوجد إجابته سريعًا: اليهود. قيل إنهم سمّموا الآبار. لم يكن ثمة دليل، لكن الإجماع كان شبه تام. وهكذا اندلعت موجة مذابح امتدت من فرنسا إلى بولندا.

لم يتوقف أحد ليسأل: لماذا اليهود تحديدًا؟ وكيف اقتنع الجميع في وقت واحد؟


هذا السؤال بالذات كان يشغل المفكر الفرنسي رينيه جيرار.

جيرار لم يكن مؤرخًا ولا سياسيًا، بل كان يقرأ الأساطير والأدب والإنجيل بعين الأنثروبولوجي. وما اكتشفه لم يكن نظرية بالمعنى التقليدي، بل نمطًا يتكرر عبر الحضارات والعصور.


قال ببساطة، حين تدخل المجتمعات أزمة داخلية حادة، وحين تتفكك روابطها، ويتصاعد صراعها الداخلي، ويفقد الناس ثقتهم بمؤسساتهم، تبدأ آلية قديمة بالعمل تلقائيًا. يبحث الجميع، دون اتفاق مسبق، عن ضحية واحدة يُحمّلونها كل هذا الاضطراب. وحين تُختار الضحية وتُعاقَب، يشعر المجتمع بوحدة مؤقتة، كأن الشر خرج من بينه.


أطلق جيرار على هذه الآلية اسم الكبش الفداء وما يجعل الفكرة مقلقة أن المضطهِدين، في كل مرة، مقتنعون تمامًا بذنب ضحيتهم. ليسوا منافقين، بل مخدوعون. الإجماع عندهم يبدو دليلًا على الحقيقة، لكن جيرار يقول العكس، الإجماع على العدو ليس دليل صدق، بل دليل على أن الآلية تعمل.

لكن جيرار لم يقف عند هذا الحد. لاحظ شيئًا أكثر إيلامًا: الضحية، حين تتحرر من اضطهادها، قد تُعيد إنتاج الآلية نفسها على ضحية أخرى.

ليس لأنها شريرة، بل لأنها لم تفهم الآلية، بل فقط غيّرت موقعها داخلها.


الشعب الذي عاش قرونًا كبشَ فداء لأوروبا، صار اليوم يُشغّل الآلية ذاتها في المنطقة. يُقدَّم الفلسطيني، واليوم الإيراني، بوصفهما "التهديد الوجودي" بالطريقة نفسها التي قُدِّم بها اليهودي يومًا في أوروبا: مختلف ثقافيًا، خطر مبهم، تُقرأ نواياه دائمًا في أسوأ صورة ممكنة. والإجماع الدولي على هذه الصورة يُقدَّم بوصفه دليلًا على صحتها.


لكن عند جيرار، هذا ليس دليلًا.

إنه الآلية نفسها وهي تعمل.

وفي قلب هذه الآلية جملة واحدة تلخصها. قالها كايافاس، كبير الكهنة، حين اجتمع المجلس ليقرر مصير المسيح:"من الأفضل أن يموت رجل واحد عن الشعب، بدلاً من أن تهلك الأمة كلها."


يتوقف جيرار طويلًا عند هذه العبارة. يقول إنها ليست انحرافًا، بل هي المنطق المضمر في كثير من قرارات الحرب عبر التاريخ. لا تُقال بهذا الوضوح عادةً، لكنها موجودة دائمًا تحت السطح: في غرف القرار، في خطابات الردع، في لغة "الضرورة الأمنية".


حين تُوصف إيران بالتهديد الوجودي، فالمعنى الكامن هنا واضح: من الأفضل أن تحترق دولة كاملة، على أن يشعر المجتمع الأمريكي أو الإسرائيلي بالقلق الداخلي.


ولمن يظن أن هذا التحليل مبالغة أكاديمية، يكفي أن يسمع ما قاله موشيه فيجلن، عضو الكنيست الإسرائيلي ورئيس حزب "زهوت"، حين اقتبس جملة هتلر الشهيرة بوضوح تام، "كما قال هتلر: لا أستطيع أن أعيش إذا بقي يهودي واحد. نحن نقول أيضًا: لا نستطيع أن نعيش هنا إذا بقي فلسطيني واحد في غزة." الضحية تتكلم بلغة جلّادها، والآلية لم تُفهم، بل فقط تغيّر موقعها.


الأخطر في كل هذا، كما يقول جيرار، أن المضطهِدين لا يعرفون ما يفعلون. ليس الأمر مؤامرة واعية بالضرورة، بل غريزة جماعية قديمة تعمل في الظلام، تحت غطاء الأمن القومي، وشعارات الديمقراطية، ولغة الردع. والآلية لا تعمل إلا حين تبقى غير مرئية.


لهذا فإن تسميتها، ورؤيتها، وتشريحها، والإشارة إليها بوضوح، هو الفعل الوحيد الذي يكسرها.

وهذا بالضبط ما لا يريده من يُديرون صناعة العدو.





google-playkhamsatmostaqltradent