recent
أخبار ساخنة

هشام النجار يكتب: علي هامش مشاركتي في ملتقى الوعي المجتمعي.. رؤية علي الشرفاء الحمادي لتفكيك التطرف


 هشام النجار يكتب: علي هامش مشاركتي في ملتقى الوعي المجتمعي..

رؤية علي الشرفاء الحمادي لتفكيك التطرف  



شاركتُ أمس الخميس 2 أبريل مع نخبة رائعة من قادة ورموز مؤسسة رسالة العالمية في مقدمتهم المدير العام الكاتب الصحفي الأستاذ مجدي طنطاوي ورئيس مجلس الأمناء المستشار الإعلامي الدكتور معتز صلاح الدين الدين، بالملتقى السادس لنموذج محاكاة رجل الدولة تحت شعار "الوعي المجتمعي وبناء الإنسان"، والتي نظمتها مؤسسة القادة للعلوم الإدارية والتنمية، بالتعاون مع مؤسسة رسالة السلام العالمية.


كانت ورقتي البحثية التي شاركت بها بهذا الملتقى المهم كالتالي:

جماعات الإسلام السياسي أعادت تشكيل أدواتها ووسائلها بعد الهزيمة الميدانية التي تعرّضت لها في مصر والمنطقة خلال السنوات الماضية، ولم تَنتهِ، كما يظنّ كثيرون.

فقد انتقلت من الفعل التنظيمي المباشر إلى إستراتيجية أكثر خفاءً ومرونة، تقوم على استثمار ما يمكن تسميته بـ"التطرّف المجتمعي"، أي تلك الحالات الفردية غير المُنتمية تنظيميًا لأي جماعات، لكنها تحمل تصوّرات متشددة وتعتنق مفاهيم متطرفة، تتقاطع مع أفكار هذه الجماعات.

إستراتيجية دقيقة

تعتمد هذه الإستراتيجية على فرضية دقيقة؛ مفادها أنَّ وجود مساحات من الغلو والتشدد داخل المجتمع يُتيح للتنظيمات التكفيرية المنظمة إعادة إنتاج نفسها، عبر أفراد عاديين غير تنظيميين يتحولون دون وعي إلى امتداد فكري لها في عمق المجتمع، وليس عبر أعضائها. 

لذلك أصبح الجدل العام حول القضايا التي يتداخل فيها الدين أحد أهم ساحات الاشتباك.

ولذلك عندما تُطرح قضايا إشكالية مثل الطلاق، تعدد الزوجات، الحجاب، أو وضع المرأة وحضورها بالمجتمع، أو أخرى متعلقة بملف الإصلاح والتجديد، يظهر قطاع من المُتلقين بخطاب انفعالي متشدد، يبتعد عن الاعتدال، ويُغذّي مناخًا يسمح للجماعات التكفيرية المتطرفة بأن تزعُم أنَّ أفكارها لا تزال حاضرة في المجتمع.

وقد وضح ذلك في وقائع عديدة، منها ما رواه الزميل الكاتب الصحفي أحمد الخطيب عن هجوم أحد الخطباء على أحد الإعلاميين داخل أحد المساجد، واتهامه بمعاداة الإسلام لمجرد أنه يطرح رؤية مختلفة في مسألة خلافية، وهو خطاب يتقاطع مع خطاب التنظيمات المتطرفة.

في مشهد متزامن وفي نفس التوقيت تقريبًا خرج تنظيم القاعدة التكفيري عبر منصة دعائية خاصة به، ليحرّض على قتل نفس الإعلامي الذي هاجمه خطيب المسجد، في دلالة كاشفة على هذا التقاطع الخطير بين التطرف الفردي غير المنظم (المجتمعي) والتطرف التنظيمي.

يُستثمر هذا التلاقي بذكاء من قِبل جماعات مثل جماعة الإخوان الإرهابية، التي تُراهن اليوم على أن يقوم "أفراد الأمة" –وفق مزاعمها وأوهامها- بما عجزت عنه التنظيمات، وفق ما عبّر عنه قياديي ومنظري تلك الجماعات الهاربين، الذي دعا إلى أن يتحوّل الأفراد العاديين إلى فاعلين أساسيين، بينما يكتفي قادة الجماعات الفارين بدور الإلهام والتوجيه من الخارج.

تغيّر مركز الثقل

تراجع دور "العضو التنظيمي" ولم يعد هو الأداة الأهم، وتقدم وتعاظم دور الفرد العادي الذي يتبنّى رؤية متشددة، فيبدو وكأنَّه صوت المجتمع، بينما هو في الحقيقة انعكاس لخطاب تمت صناعته وتغذيته عبر عقود.

لقد أدركت هذه الجماعات أن دعوات "الحاكمية" أو "إقامة الدولة الدينية" أو حتى الحشد السياسي المباشر لم تعد مُجدية، فانتقلت إلى تفكيك المجتمع من الداخل عبر تأجيج الخلافات، وتسييس القضايا، واستثمار أي حالة احتقان، بما يتيح لها تحقيق مكاسب دعائية، وفتح المجال أمام تجنيد مُحتمل.

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في هذه المرحلة، حيث تُنشئ مساحات افتراضية يلتقي فيها "المتطرف التنظيمي" مع "المتشدد غير المُنتمِي"، عبر تبادل رؤى قائمة على تفسيرات أحادية ومغلوطة للدين، تُعيد تشكيل الوعي تدريجيًا.

تكمن خطورة هذه المرحلة في أن التطرّف أصبح حالة سائلة داخل المجتمع، تنتقل عبر الخطاب اليومي، والمواقف العابرة، والجدالات العامة، ولم يعد ظاهرة يمكن عزلها.

حادثة بسيطة في مترو الأنفاق، مثل مشادة بين رجل مسن وفتاة، تكشف عمق هذه الإشكالية؛

حيث يظهر خطاب ينطوي على نظرة متشددة للمرأة، تنزع عنها استقلالها وكرامتها، وتُقدَّم هذه الرؤية وكأنَّها من صميم الدين، بينما هي في حقيقتها نتاج موروث بشري غير منقّح.

هذه النماذج تمَّ التقاطها سريعًا وتوظيفها دعائيًا عبر لجان الجماعات التكفيرية الإليكترونية، لتأكيد مزاعم بوجود قاعدة شعبية حاضنة للتشدّد، وهو ما يمنح هذه الجماعات "حياةً افتراضية" بعد هزيمتها الواقعية.

معركة الوعي

أصبحت إذن المواجهة معركة وعي شاملة، يكون المجتمع فيها في قلب المواجهة ولم تعد أمنية فقط.

لذلك يجب أن يمتد الفهم الصحيح للدين ليشمل أوسع القطاعات، لأن اتساع دائرة الوعي هو ما يحرم هذه التنظيمات من بيئتها الحاضنة، ولا يكفي أن يظل محصورًا في النخب. 

إنَّ إخراج الكتل الجماهيرية من دائرة الغلو، ودمجها في مسار تنويري، هو شرط أساسي لاكتمال أي مشروع إصلاح ديني.

الإصلاح لا ينجح دون سند شعبي واعٍ، قادر على التمييز بين الدين في جوهره، والموروث في تشوّهاته.

الحل.. تفكيك الغلو بالمرجعية القرآنية

تأتي هنا أهمية المشروع الفكري الإصلاحي الشامل الذي يقدّمه المفكر الكبير علي الشرفاء الحمادي، والذي يقوم على إعادة بناء الفهم الديني انطلاقًا من القرآن باعتباره المرجعية الأصلية، وتفكيك ما علق به من تصوّرات بشرية.

كرامة الإنسان والمرأة

هذه مجرد نماذج لبعض ملفات الغلو والتشدد المجتمعي التي يفككها ويضع لها حلولًا جذرية المفكر الأستاذ علي الشرفاء.

يفكّك الأستاذ الشرفاء التصوّرات التي تنتقص من المرأة، ويؤكد أن القرآن قرّر مبدأ الكرامة الإنسانية دون تمييز،

وأن أي ممارسات تنتقص من هذه الكرامة لا يمكن نسبتها إلى الدين، مهما شاعت في الموروث.

المثال الثاني: الحرية ونفي الإكراه

يُعيد المفكر الكبير الأستاذ علي الشرفاء التأكيد على أن العلاقة بين الإنسان والدين قائمة على الاختيار الحر، وأن الإكراه أو الوصاية باسم الدين تمثل انحرافًا عن جوهر الرسالة، وهو ما ينسف الأساس الفكري للتشدّد الفردي والمجتمعي فضلًا عن التنظيمي.

المثال الثالث: العدل كجوهر للتدين

يؤكد الشرفاء أن جوهر الدين هو إقامة العدل، وأن اختزال التدين في طقوس شكلية مع غياب العدل هو أحد أسباب الفساد الذي يعمّ المجتمعات.

إذن نستنتج

أنَّ الخطر الحقيقي اليوم في الأفكار التي ما زالت حيّة داخل الوعي الجمعي، والتي تُعيد إنتاج التطرّف في صورٍ يومية عادية متكررة..

والمواجهة لا تكون إلا عبر: أولًا توسيع دائرة الوعي.. ثانيًا تفكيك المفاهيم المغلوطة.. ثالثًا إعادة بناء الفهم الديني على أساس قرآني أصيل 

حينها فقط..

يتراجع التطرّف والغلو المجتمعي،

وتفقد تلك الجماعات قدرتها على التسلل،

ويبدأ المجتمع في استعادة توازنه.. من الداخل.

google-playkhamsatmostaqltradent