مجدى طنطاوى يكتب
علي محمد الشرفاء رؤية مبكرة لسد النهضة وتحذير لم يسمع !!!!!
في زمن تتسارع فيه الأزمات وتتداخل فيه المصالح الإقليمية والدولية تبرز قيمة الرؤية المبكرة التي لا تكتفي بقراءة الواقع بل تستشرف ما قد تؤول إليه الأحداث وهو ما تجلى بوضوح في رسالة المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي التي وجهها قبل أكثر من اثني عشر عاما إلى وزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي بشأن قضية سد النهضة
لقد حملت تلك الرسالة وعيا استراتيجيا متقدما حين دعت إلى تغليب منطق الحوار والتعاون بين مصر وإثيوبيا بدلا من الانزلاق إلى مسارات التصعيد وهو طرح لو أُخذ به مبكرا لكان كفيلا بتقليل حدة التوترات التي شهدتها المنطقة لاحقا فقد انطلقت الرؤية من فهم عميق لطبيعة الصراعات الحديثة التي لم تعد تحسم بالقوة المجردة بل بإدارة المصالح وبناء الشراكات
ولم تقف إسهامات المفكر عند حدود هذه الرسالة بل سبقتها وتبعتها مبادرات فكرية تعكس مشروعا متكاملا لإعادة بناء الوعي العربي ففي عام 2000 قدم وثيقة مهمة بعنوان نحو أمة عربية قوية إلى عمرو موسى بصفته أمينا عاما لجامعة الدول العربية آنذاك حيث تضمنت رؤية شاملة لآليات الحفاظ على الأمن القومي العربي من مختلف الزوايا السياسية والاقتصادية والثقافية مؤكدا أن الأمن لا يتجزأ وأن قوة الأمة تكمن في تكامل أدوار دولها لا في تنافسها
كما طرح رؤية إصلاحية تتجاوز الإطار الإقليمي لتلامس البعد الحضاري الإنساني من خلال مشروعه الداعي إلى تحقيق التصالح بين الغرب المسيحي والشرق العربي الإسلامي وهو طرح يقوم على كسر دوائر الصدام واستبدالها بمنطق الحوار والتفاهم المشترك إدراكا منه أن الصراعات الحضارية لا تنتج إلا مزيدا من الانقسام بينما يفتح التلاقي آفاقا أوسع للتقدم والاستقرار
وفي السياق ذاته يبرز مشروعه التنويري الذي يدعو إلى عودة الأمة المسلمة إلى جوهر رسالتها والاحتكام إلى القرآن الكريم باعتباره مرجعية قيمية وأخلاقية قادرة على تصحيح المسار ومواجهة مظاهر الانحراف الفكري والتشدد مؤكدا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان الواعي القادر على التمييز بين الدين كقيمة روحية سامية وبين توظيفه في صراعات ضيقة
إن قراءة مجمل هذه الطروحات تكشف عن خيط ناظم يجمع بينها جميعا وهو الإيمان بأن الأزمات مهما تعقدت يمكن احتواؤها عبر الحكمة والتكامل لا عبر الصدام وأن بناء المستقبل لا يتحقق بردود الأفعال بل بصياغة رؤى استباقية تضع مصلحة الشعوب فوق أي اعتبارات أخرى
لقد أثبتت السنوات أن كثيرا من التحذيرات التي تضمنتها تلك الرؤى كانت في محلها وأن تجاهلها لم يكن دون كلفة وهو ما يفرض اليوم إعادة النظر في مثل هذه الطروحات الجادة والاستفادة منها في رسم سياسات أكثر توازنا واتزانا
وفي النهاية تبقى قيمة هذه الجهود في كونها لم تكن مجرد أفكار نظرية بل محاولات صادقة لتقديم بدائل عملية تفتح أمام الأمة العربية آفاقا أرحب نحو الاستقرار والتنمية وتؤكد أن امتلاك الرؤية هو الخطوة الأولى نحو امتلاك المستقبل
.jpg)