الصحفي محمد معتز يكتب
: أنتَ لستَ ما تعتقده
كيف صنعنا أنفسنا من أفكار… ثم نسينا أننا صنعناها
قبل أن تكمل قراءة هذا المقال، توقف لحظة.
لاحظ الصوت الذي يدور الآن في رأسك. الصوت الذي يعلّق على ما تقرأ، يقيّم الجمل، يتساءل، يشكّك، وربما يعترض. ذلك الصوت الذي لا يكاد يصمت. السؤال البسيط هو من صاحب هذا الصوت؟
سنوات طويلة يفترض معظمنا الإجابة نفسها، هذا أنا. وهذا تحديداً هو الوهم الذي يتحدث عنه المفكر الألماني إيكهارت تول في كتابه أرض جديدة.
عندما وُلدت «الأنا»
يروي إيكهارت تول مثالاً بسيطاً عن طفل صغير يبكي بحرقة لأن لعبته كُسرت. ليس لأن اللعبة كانت ثمينة أو نادرة، بل لأن شيئاً آخر تحطم معها. الطفل لم يكن يبكي اللعبة نفسها، بل الصورة التي ربطها بذاته. لم تكن مجرد لعبة، بل «لعبتي أنا». من هنا تبدأ القصة.
يتعلم الطفل اسمه، فيصبح الاسم هو هويته. ثم يتعلم كلمة «أنا»، فتتحول الكلمة إلى مركز تجربته. ثم تنضم طبقات أخرى: جنسيتي، ديني، مهنتي، آرائي، ذكرياتي، نجاحاتي وإخفاقاتي؛ طبقة فوق طبقة، تتشكل البنية التي نسميها الشخصية.
لكن تول يطرح سؤالاً مزعجاً، ماذا لو كان كل هذا مجرد أفكار؟ مجرد محتوى ذهني تراكم مع الوقت؟ ماذا لو كانت «الأنا» التي نعيش بها يومياً ليست ذاتنا الحقيقية، بل بناءً ذهنياً تعلمناه حتى صدّقناه؟
خطأ ديكارت
قبل أربعة قرون، حاول الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الإجابة عن سؤال واحد: ما الحقيقة التي يمكنني الجزم بها تماماً؟ وصل إلى الجملة التي أصبحت الأشهر في تاريخ الفلسفة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود.»
لكن إيكهارت تول يرى أن هذه الجملة نفسها هي أصل المشكلة، فديكارت لم يكتشف حقيقة الوجود بقدر ما وصف بدقة آلية الأنا: أن يتماهى الإنسان مع تفكيره، وأن يظن أن التفكير هو هويته.
بعد ثلاثة قرون تقريباً، جاء الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر لينظر إلى الجملة نفسها بطريقة مختلفة. فلاحظ شيئاً بالغ الأهمية «الوعي الذي يقول أنا موجود ليس هو نفسه الوعي الذي يفكر.»
تأمل هذه الفكرة لحظة. عندما تدرك أنك تفكر، فهناك وعي يراقب التفكير، وهذا الوعي ليس التفكير نفسه. بعبارة أخرى، أنت لست الصوت في رأسك. أنت الشخص الذي يسمع هذا الصوت. والفرق بين الاثنين هو كل شيء.
الصوت الذي نسميه «أنا»
يروي تول حادثة شخصية حدثت له حين كان طالباً في جامعة لندن وكان يستقل مترو الأنفاق صباحاً متجهاً إلى المكتبة. في إحدى الرحلات لفت انتباهه مشهد غريب، امرأة تجلس قربه وتتحدث بصوت مرتفع مع نفسها. كانت تشكو، وتتهم، وتبرر، وتجادل. المقاعد المجاورة لها كانت خالية رغم ازدحام القطار.
ظنها مجنونة. لكن عندما وصل إلى الحمام لاحقاً ووجد نفسه يتمتم بصوت مسموع: «أتمنى ألا أصبح مثلها»، أدرك شيئاً صادماً: هو مثلها تماماً. الفرق الوحيد أن صوتها كان مسموعاً، بينما صوته صامت داخل رأسه.
وهنا يظهر السؤال الحقيقي، ما الفرق بين شخص يتحدث مع نفسه بصوت مرتفع في الشارع، وشخص يدور في رأسه حوار داخلي لا يتوقف؟ الشكل مختلف لكن الجوهر واحد. المشكلة ليست أن لديك صوتاً في رأسك. المشكلة أنك في لحظة ما توقفت عن كونك مستمعاً للصوت، وأصبحت الصوت نفسه.
كيف نبني هويتنا من الأشياء
تخيل شخصاً اشترى سيارة جديدة، و بعد أيام، خدشها شخص آخر عند إشارة المرور. رد الفعل يكون غالباً مبالغاً فيه. لماذا؟ لأن الألم الحقيقي ليس في الخدش، بل في الإحساس بأن جزءاً من الهوية قد تعرض للإهانة.
يشرح تول أن صناعة الإعلانات تفهم هذه الآلية جيداً. هي لا تبيع سيارات أو ساعات أو ملابس فقط، بل تبيع هوية. الرسالة الضمنية دائماً واحدة، اشترِ هذا المنتج وستصبح أكثر اكتمالاً. لهذا ترتفع قيمة العلامات التجارية ليس بسبب جودة القماش أو المعدن، بل بسبب ما تضيفه إلى الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه.
حين يرتدي الناس علامة تجارية، فهم في الحقيقة يشترون قطعة من هويتهم. لكن المشكلة أن الأنا تبحث عن نفسها في الأشياء ولا تجدها. الإشباع الذي تمنحه الأشياء مؤقت، يتلاشى سريعاً، فتعود الحاجة من جديد. الأنا لا تُشبع.
الأنا تحتاج عدواً
هناك جانب آخر أكثر إزعاجاً، الأنا لا تستطيع البقاء دون «الآخر». لكي يكون هناك «أنا»، يجب أن يكون هناك «هم». لكي يكون المرء على صواب، يجب أن يكون آخرون على خطأ.
لهذا نميل إلى النميمة في اللحظة التي أنتقد فيها شخصاً آخر، أشعر بارتفاع طفيف في قيمتي الذاتية. ليس هذا حكماً أخلاقياً، بل وصف لآلية نفسية تعمل في الخفاء.
تأمل ما يجري على وسائل التواصل الاجتماعي في أي حدث كبير: كأس العالم، الانتخابات، أي أزمة إقليمية. لا يمر وقت طويل حتى تتحول التعليقات من نقاش إلى معارك هوية. «نحن» في مواجهة «هم». الفريق، الجنسية، الطائفة، الحزب، كل هذه الانتماءات تتحول إلى درع تحمي به الأنا صورتها عن نفسها. ليس لأن القضايا لا تستحق النقاش، بل لأن الأنا تختطف النقاش وتحوّله إلى حرب وجود.
ويصل تول إلى نتيجة لافتة: الخلافات السياسية والطائفية وحتى الشتائم اليومية تعيد إنتاج النمط ذاته. الأنا تبحث عن خصم لكي تثبت وجودها. وكلما كان الخصم أشد وضوحاً، كانت الأنا أكثر راحة واطمئناناً.
«أنتَ لستَ أفكارك.. أنتَ الوعي الذي يراقبها»
يروي تول أنه كان يسير مع صديق في محمية طبيعية قرب مدينة ماليبو الأمريكية، حين مرّا بأنقاض منزل قديم احترق منذ سنوات. على لافتة صغيرة كتب تحذير «خطر، كل البنى غير مستقرة.» وقف الرجلان أمام اللافتة وشعرا كأنهما يقرآن حكمة وجودية.
كل البنى غير مستقرة. السيارة قد تتحطم أو تُباع. الوظيفة قد تتغير أو تنتهي. الجسد يشيخ. الصورة التي رسمتها عن نفسك اليوم لن تكون هي نفسها بعد سنوات. كل ما بنيت عليه هويتك زائل. ومن هنا يأتي القلق الدائم الذي يعيش فيه كثير من الناس، فالأنا مبنية على أشياء غير ثابتة، ولهذا تعمل باستمرار على حمايتها وتضخيمها.
معركة لا تنتهي
اللحظة التي تدرك فيها أنك تحلم
قال بوذا: «لا أنا ثابتة» وقال الطبيب النفسي فيكتور فرانكل: «أنت لست رد فعلك». كل هذه العبارات تشير إلى الفكرة نفسها، هناك بُعد فيك يسبق الأفكار والتسميات والأدوار.
أنت لست وظيفتك. ولا نجاحك. ولا فشلك. ولا قصتك القديمة. كل هذه محتويات. أما أنت، فأنت المساحة التي تحتويها.
ربما أجمل جملة في كتاب أرض جديدة جاءت في نهاية فصل عن الهوية. يقول تول: «الاعتراف بالزيف هو بداية ظهور الحقيقي.»
أنت لا تحتاج إلى تدمير الأنا، ولا إلى حرب داخلية مع نفسك. يكفي أن تنظر. أن تقف خطوة واحدة خلف الصوت الذي يتكلم في رأسك، وتقول ببساطة: «أسمعك… لكنني لست أنت.»
هذه المسافة الصغيرة بين الصوت ومن يسمعه قد تكون أصغر مسافة في العالم. لكنها أيضاً… المسافة التي تغيّر كل شيء.
