recent
أخبار ساخنة

الصحفي محمد معتز يكتب..اليقظة في الجحيم.. ما لا يمكن انتزاعه من الإنسان.... دي ميلو وفرانكل - رحلة واحدة من طريقين


 الصحفي محمد معتز يكتب..اليقظة في الجحيم.. ما لا يمكن انتزاعه من الإنسان

دي ميلو وفرانكل - رحلة واحدة من طريقين




في مكانٍ ما بين محاضرة هادئة في أمريكا ومعسكر إبادة في بولندا، يلتقي رجلان لم يتقابلا قط، ليقولا الشيء ذاته بلغتين مختلفتين تماماً.

أنتوني دي ميلو، الكاهن الهندي اليسوعي، وقف أمام طلابه في ورشات التأمل وقال: أنت لست ما تظنه. الـ«أنا» التي تحملها - اسمك، مهنتك، صورتك - هي وهم. تحتها شيء آخر لا يُهدَّد ولا يُمسّ. ابحث عنه.

فيكتور فرانكل، الطبيب النفسي الفيينّي، دخل أوشفيتس. أخذوا منه اسمه وصار رقماً. أخذوا ملابسه وكتابه وزوجته. وفي قلب كل ذلك الانتزاع اكتشف ما لا يمكن انتزاعه.

كتابان، حضارتان، طريقان مختلفان. لكن إذا قرأتهما معاً، تسمع صوتاً واحداً يقول أن في داخل الإنسان شيء ما حر دائماً.


المشكلة: من نظن أننا؟

يبدأ دي ميلو من نقطة غير متوقعة أن الناس لا يعرفون أنفسهم. ليس لأنهم لم يفكروا كثيراً، بل لأنهم فكروا بالطريقة الخطأ. لقد تعرّفوا على أنفسهم عبر ما يحملونه خارجهم: الأسماء، الألقاب، الأدوار الاجتماعية، موافقة الآخرين. ثم ظنوا أن هذا هو «أناهم».

«أنت لست اسمك. أنت لست جسدك. أنت لست مشاعرك. كل هذه أشياء تملكها أو تمر بك - لكنها ليست أنت.»


أنتوني دي ميلو، اليقظة


يسمّي دي ميلو هذا الخلط النوم. الناس نائمون، بمعنى أنهم يعيشون عبر ردود فعل مبرمجة، منذ الطفولة يتشكل الإنسان عبر توقعات المجتمع والعائلة والدين، حتى ينسى أن ثمة طريقة أخرى للعيش.

ويقول دي ميلو بجرأة: أكثر ما يدمّر الإنسان ليس الألم، بل أنه لا يستيقظ أبداً.

فرانكل يصل إلى المشكلة نفسها من باب آخر تماماً. حين أراد النازيون تحطيم الإنسان، استهدفوا بالضبط ما يظنه الإنسان هويته، حيث الاسم صار رقماً، الملابس تُجرَّد، الشعر يُحلَق، الجسد يُنهك، المهنة تُسلب، والعائلة تُفرَّق. لو كانت الهوية هي هذه الأشياء، لكان ينبغي أن يتلاشى الإنسان.

لكن الإنسان لم يتلاشَ. أو بالأدق، بعض البشر لم يتلاشوا. وهؤلاء القلة هم الذين بنى فرانكل نظريته على شهادتهم.

«رأينا رجالاً يمشون عبر الأكواخ يُعزّون الآخرين ويعطونهم آخر قطعة خبز عندهم. ربما كانوا قلة، لكنهم دليل كافٍ على أن كل شيء يمكن انتزاعه من الإنسان إلا شيئاً واحداً: آخر الحريات الإنسانية - حرية اختيار موقفه.»

فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى


دي ميلو يقول: اكتشف الأنا الحقيقية.

فرانكل يقول: حين يُجرَّد منك كل شيء، يظهر ما تبقى من الأنا الحقيقية.

اليقظة والفضاء الذي لا يُملأ

يصف دي ميلو اليقظة ببساطة تبدو خادعة: أن ترى الأشياء كما هي. لكن المشكلة أن ما يمنعنا من الرؤية ليس الجهل، بل طبقات من التوقعات والتعلقات والتفسيرات.

الإنسان المنتبه لا يرد على العالم آلياً. بين الحدث ورد الفعل توجد مسافة. مسافة التأمل والاختيار.

«بين المثير والاستجابة فضاء. في ذلك الفضاء تكمن حريتنا وقدرتنا على النمو.»

فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى


هذه الجملة التي أصبحت أشهر ما كتبه فرانكل هي في الواقع قلب فكرة اليقظة عند دي ميلو أيضاً. كلاهما يتحدث عن الفضاء نفسه، الفضاء الذي إذا اتسع أصبحت حراً، وإذا ضاق حتى اختفى أصبحت آلة.

فرانكل لم يكتشف هذا الفضاء في التأمل، بل في المعسكر. في المسيرات القسرية عبر الثلج كان عقله يذهب إلى مكان آخر: إلى قاعة محاضرات يتخيل نفسه فيها بعد التحرر، أو إلى صورة زوجته، أو إلى غروب الشمس خلف الأسلاك الشائكة. كان يمارس اليقظة كوسيلة للبقاء.


التعلق والتحرر: المعركة التي لا تنتهي

يروي دي ميلو قصة مأخوذة عن كريشنامورتي، اليوم الذي تعلّم فيه الطفل اسم الطائر هو اليوم الذي توقف فيه عن رؤية الطائر. قبل الاسم كان يرى كائناً حياً يغني ويتحرك. بعد الاسم صار يرى كلمة فقط.

نحن نفعل الشيء نفسه بكل شيء، بالبشر، بالعلاقات، بأنفسنا. نجمّد الحياة المتدفقة في مفاهيم جامدة.

«الواقع يتدفق. المفاهيم ثابتة. الجليد ليس موجة، والقفص ليس طائراً.»

أنتوني دي ميلو، اليقظة


التعلق، سواء كان بالناس أو المال أو الصورة الذاتية، يحوّل الحياة إلى مفاوضة دائمة مع الخارج.

دي ميلو يميز بدقة بين التفضيل والرغبة المدمرة. التفضيل يقول: أريد هذا. أما الرغبة فتقول: لا أستطيع أن أكون سعيداً دونه.

فرانكل عاش النقيض الكامل لهذا. كل تعلق مادي انتُزع منه بالقوة. ومع ذلك اكتشف أن التعلق الوحيد الذي لا يمكن انتزاعه هو التعلق بمعنى ما.

«في المعسكرات رأينا من تصرفوا كالخنازير ومن تصرفوا كالقديسين. كلا الإمكانيتين في الإنسان. أيهما يتحقق يعتمد على القرار لا الظروف.»

فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى


الألم: عدو أم معلم؟

كلا الرجلين لا يهرب من الألم، لكنه يرفض أيضاً تمجيده.

دي ميلو يفرق بين ألم الواقع وألم المقاومة. الأول حتمي، أما الثاني فهو نتيجة رفضنا للواقع.

«المشكلة ليست الألم، بل أننا نريد أن يكون مختلفاً عما هو.»


أنتوني دي ميلو، اليقظة

فرانكل يذهب خطوة أبعد، أن الألم الحتمي يمكن أن يتحول إلى معنى.

حين جاءه طبيب مسن محطم بعد وفاة زوجته، سأله فرانكل سؤالاً بسيطاً: ماذا لو كنت أنت من مات أولاً وبقيت زوجتك؟ أجاب الرجل: كانت ستعاني كثيراً. عندها قال فرانكل: إذن أنت تحمّلت الألم بدلاً منها.

فجأة تغير معنى الألم.

«المعاناة تتوقف عن أن تكون معاناة في اللحظة التي تجد فيها معنى.»

فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى


المعنى: السؤال المقلوب

واحدة من أهم أفكار فرانكل أن السؤال التقليدي عن معنى الحياة مقلوب.

لا تسأل، ما معنى الحياة؟الحياة هي التي تسألك.

المعنى لا يأتي من التأمل فقط، بل من الطريقة التي نعيش بها.


يحدد فرانكل ثلاثة مصادر للمعنى:

العمل الذي نقدمه للعالم،

الجمال أو الحب الذي نتلقاه منه،

والموقف الذي نتخذه من الألم الحتمي.

ويقول عن الحب: «الحب هو الطريق الوحيد للوصول إلى إنسان آخر في أعمق جوهره.»

فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى

دي ميلو يصف الأمر بطريقة أخرى، أن الحب الحقيقي رؤية صافية، رؤية الإمكانات الكامنة في الآخر.

تجاوز الذات

إحدى أكثر الأفكار جرأة التي يشترك فيها الرجلان هي أن السعادة لا تُلاحق مباشرة.

فرانكل يقول إن تحقيق الذات ليس هدفاً بل نتيجة جانبية لتجاوز الذات نحو معنى أكبر.

«كلما نسي الإنسان نفسه في خدمة قضية أو حب شخص، كان أكثر تحقيقاً لذاته.»

فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى

دي ميلو يقول الشيء نفسه بلغة مختلفة، توقف عن مطاردة السعادة. عش بالكامل في اللحظة، وستأتي السعادة كظل.


الماضي والحاضر

يرى فرانكل أن الماضي ليس عبئاً، بل خزينة.

«ما مضى لا يُمحى. "قد كان" هو أثبت أنواع الوجود.»

فيكتور فرانكل


دي ميلو يدعو للعيش في الحاضر. لكن التناقض هنا ظاهري فقط. الأول يتحدث عن قيمة ما عشته، والثاني عن ضرورة أن تعيشه بوعي.


الدين: النار لا الصورة

يختم دي ميلو كتابه بقصة مخترع النار الذي علم الناس إشعالها. بعد موته صنعوا له معابد وصلّوا للصورة، لكن النار اختفت.

«أين النار؟ أين الحب؟»

أنتوني دي ميلو، اليقظة

ويختم فرانكل كتابه بجملة شهيرة:

«الإنسان هو الكائن الذي اخترع غرف الغاز في أوشفيتس. لكنه أيضاً الكائن الذي دخل تلك الغرف منتصب القامة وعلى شفتيه صلاة.»

فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى

بين هاتين الجملتين تقع قصة الإنسان كلها.


ما الذي يبقى؟

قرأنا كتابين كُتبا في زمنين مختلفين، أحدهما في هدوء التأمل والآخر في قلب الجحيم. لكنهما يصلان إلى الفكرة نفسها، في داخل الإنسان، تحت طبقات الخوف والبرمجة والتعلقات، يوجد شيء حر وقادر على الاختيار.

اليقظة عند دي ميلو هي أن ترى الأوهام كأوهام.

الحرية عند فرانكل هي أن تبقى إنساناً حين يُراد لك أن تصبح شيئاً آخر.

والدرس المشترك بسيط وعميق في آن واحد وهو أن الإنسان لا يكتمل حين تختفي مشاكله، بل حين يستطيع أن يقف وسطها منتصباً، يرى بوضوح، يحب بحرية، ويختار بمسؤولية وإذا كان هذا ممكناً في السجون، فهو ممكن في أي مكان.

google-playkhamsatmostaqltradent