recent
أخبار ساخنة

الصحفى محمد معتز يكتب .. "لماذا" تَكْفِيكَ؟

الصحفى محمد معتز يكتب ..
 "لماذا" تَكْفِيكَ؟


تستيقظ صباحًا، الهاتف بجانبك، والقهوة جاهزة، واليوم أمامك، لا شيء ناقص ظاهريًا ومع ذلك، يبقى سؤال يجلس في الصدر منذ وقت طويل، لا يجرؤ كثيرون على صياغته بوضوح لأجل ماذا؟


هذا السؤال لم يكن عند فيكتور فرانكل ترفًا فلسفيًا، بل مسألة حياة أو موت. الطبيب النفسي النمساوي، الذي اعتُقل في عام 1942 وأُرسل إلى معسكرات الاعتقال النازية، خسر زوجته ووالديه والمخطوطة التي أمضى سنوات في كتابتها، جُرّد من اسمه وملابسه وحياته السابقة، حتى صار رقمًا في منظومة صنعها الموت. ومع ذلك، لم ينكسر الرجل من الداخل بالطريقة التي أرادها الجلادون.


حين خرج فرانكل من التجربة، لم يكتب عن الوحشية بوصفها خبرًا تاريخيًا فقط، بل عن شيء أكثر إزعاجًا: لماذا يصمد بعض الناس، بينما ينهار آخرون قبل أن ينتهوا جسديًا؟ إجابته كانت بسيطة ومؤلمة في الوقت نفسه، الذين كان لديهم سبب للبقاء، بقوا.


كان هناك من ينتظره أحد.

وكان هناك من يحمل مشروعًا لم يكتمل بعد وكان هناك من يملك "لماذا" واحدة واضحة، فاستطاع أن يتحمل أي "كيف".


استعاد فرانكل هنا عبارة نيتشه الشهيرة: من يملك سببًا يعيش من أجله، يستطيع أن يحتمل أي طريقة للحياة، مهما كانت قاسية. ولم يكن يقصد بها حماسًا معنويًا فارغًا، بل قانونًا نفسيًا شديد الصرامة: الإنسان لا ينهار فقط لأن الظروف قاسية، بل لأنه يفقد المعنى الذي يربطه بالغد، المشكلة ليست في الظروف وحدها.


هذا ما يجعل فرانكل مختلفًا عن كثير من الوعّاظ والمحللين. هو لا يبالغ في دور الإيجابية، ولا يختزل المأساة في مجرد "نظرة مختلفة" لكنه يقول شيئًا مزعجًا ومحررًا في آن واحد: الخارج ليس أصل الأزمة دائمًا. قد يعيش إنسان في أوشفيتز ويقاوم، بينما ينهار آخر في شقة مريحة، وراتب ثابت، وسقف آمن، لأنه لا يعرف لماذا يواصل السير.

هذا هو ما سماه فرانكل لاحقًا "الفراغ الوجودي". فراغ لا يحتاج إلى فقر كي يظهر، ولا إلى حرب كي يشتعل. قد يسكن وسط الوفرة نفسها. قد تملك كل ما ظننت يومًا أنه يكفي، ثم تكتشف أن الداخل لا يشاركك هذا الرأي.


الجيل الحالي يعرف هذا الارتباك جيدًا.

الخيارات كثيرة، والطرق متاحة، والفرص تُعرض بلا توقف، لكن كثرة الطرق بلا بوصلة داخلية لا تنتج حرية فقط، بل ضياعًا من نوع جديد. يمر الأسبوع، وتفعل أشياء كثيرة، ثم تكتشف أنك لم تقترب من نفسك خطوة واحدة. تنام متعبًا، لكنك لا تعرف مما تعبت. وهذا ليس كسلًا، ولا عيبًا شخصيًا، بقدر ما هو علامة على أن الاتجاه نفسه غامض.

فرانكل لا يقدم وصفة سهلة.

وهذا من أهم ما في فكره، المعنى، كما يراه، لا يظهر حين نفكر فيه طويلًا فقط، لا يكفي أن تجلس وحدك وتسأل نفسك ما الهدف من الحياة؛ السؤال وحده لا يخلق المعنى. المعنى يُعاش، يتكوّن حين تنغمس في عمل يستحقك، أو تحب شخصًا وتراه فعلًا، أو تواجه ما لا تستطيع تغييره وتختار كيف تقف أمامه.


في هذه المسارات الثلاثة، الإنجاز، والحب، والموقف، يولد "اللماذا".

ليس بوصفه شعارًا، بل بوصفه سببًا صغيرًا لكنه حقيقي.. خيطًا واحدًا يكفي لكي يصبح الغد محتملًا.


في معسكر الاعتقال، كان فرانكل يكتب أفكاره على أوراق مهترئة، وهو مريض بالتيفوس، وغير متأكد أنه سيخرج حيًا.. ومع ذلك، كان يعرف أن هذه الأفكار يجب أن تُكتب. ذلك اليقين الصغير لم ينهِ المعاناة، لكنه منحه سببًا ليبقى داخلها من دون أن يستسلم لها..

وهنا تكمن قوة كتاب الإنسان يبحث عن المعنى..

أنه لا يعدك بحياة أقل ألمًا، بل بحياة أقل عبثًا..

لا يقول لك إن الألم سيختفي، بل إن وجود سبب واضح قد يجعل الألم نفسه قابلًا للحمل..


لعل هذا هو السؤال الأهم الذي نتركه لأنفسنا في النهاية، ليس ماذا نملك، ولا كم ننجز، بل ماذا يجعل صباح الغد يستحق أن نصل إليه أصلًا.

google-playkhamsatmostaqltradent