الصحفى محمد معتز يكتب..الحب
رحلة نحو الجوهر
بين فلسفة أنتوني دي ميلو وشهادة فيكتور فرانكل
كُتبت عن الحب ملايين الكلمات. غنّى له الشعراء، وشرحه الفلاسفة، وتشابك فيه العلماء. لكنّ ثمة حقيقة واحدة يتفق عليها كل من اقترب من هذا الموضوع بصدق وهي أن الكلمات لا تكفي. فالحب، في جوهره، ليس فكرة تُشرح، بل تجربة تُعاش من الداخل.
في هذا المقال نذهب إلى مكانين يبدوان في الظاهر أبعد ما يكونان عن بعضهما، أوشفيتس، معسكر الإبادة النازية حيث عاش الطبيب النفسي فيكتور فرانكل تجربته الإنسانية الأقسى وكتب عنها كتابه الخالد «الإنسان يبحث عن معنى»؛ وقاعة محاضرات هادئة في الغرب، حيث وقف الكاهن الهندي أنتوني دي ميلو يفكك أوهامنا عن الحب ويعيد بناء الكلمة من الصفر في كتابه «اليقظة».
رجلان، زمنان، طريقان مختلفان لكنهما يصلان إلى الضفة نفسها وهي أن الحب الحقيقي لا يولد من الحاجة، ولا يشترط الحضور، ولا يُسرق بالفقدان. إنه شيء أعمق من كل ذلك.
ما نسمّيه حباً وما هو ليس حباً
يبدأ دي ميلو بصدمة هادئة. أن معظم ما نسمّيه حباً ليس حباً. إنه تعلّق، إدمان، احتياج، خوف. والفرق بين هذا وذاك ليس في الكلمة، بل في الجذر.
«أنت لا تحب أحداً في الواقع. أنت تحب فكرتك عنه.» — أنتوني دي ميلو، اليقظة.
هذه الجملة تحتاج وقفة. حين نقول «أحبك»، نادراً ما نرى الشخص أمامنا كما هو بتعقيداته وتحوّلاته وحقيقته المتغيرة. ما نراه في الغالب هو صورة رسمناها في مخيلتنا، صورة صنعنا منها معبداً صغيراً نعبده. فإذا تغيّر الشخص أو اكتشفنا فيه ما لم نتوقعه، نشعر بالخيانة. لكن السؤال الحقيقي هو من خاننا؟ الشخص الحقيقي لم يتغير بالضرورة؛ ما تغيّر هو الصورة التي صنعناها عنه.
يمضي دي ميلو خطوة أبعد حين يفرق بين الحب والإدمان العاطفي. الإدمان هو حين تصبح سعادتك مشروطة بوجود شخص آخر. حين يغيب تتألم، وحين يعود تشعر بالراحة. لكن تلك الراحة ليست حباً، بل ما يشعر به المدمن حين يحصل على جرعته.
«إذا كنت تحتاج شخصاً كي تكون سعيداً، فأنت لا تستطيع حبّه حقاً. أنت تستخدمه.» — أنتوني دي ميلو، اليقظة.
وهنا المفارقة المؤلمة، كثيرون يعتقدون أن شدة الألم عند الفقدان دليل على عمق الحب. دي ميلو يقلب المعادلة تماماً؛ الألم الشديد دليل على شدة التعلق، لا على عمق الحب. الحب الحقيقي لا يقيد بل يحرر، لا يستهلك بل يفيض، لا يحرق بل يضيء.
ثانياً.. حين يُسرق كل شيء — ماذا يبقى؟
في عام 1942 صعد فيكتور فرانكل وزوجته وعائلته إلى قطار نقلهم إلى أوشفيتس. خلال أيام قليلة سُلب منه كل شيء ملابسه، أوراقه، عمله، اسمه. أصبح مجرد رقم: 119,104.
ثم أُخذت منه زوجته. أُرسلت إلى معسكر آخر. لم يكن يعرف أين، ولا إن كانت لا تزال حية، في صباح شتوي قارس، كان يمشي مع مئات السجناء إلى موقع العمل. الثلج تحت أقدامهم، الحراس يصرخون، والأجساد المنهكة تتعثر. في تلك اللحظة خطرت في ذهنه صورة زوجته.
«بدأ ذهني يتشبث بصورة زوجتي، يتخيّلها بوضوح موجع. سمعتها تجيبني، رأيت ابتسامتها ونظرتها المشجعة. سواء كانت حقيقية أم لا كانت نظرتها آنذاك أكثر إشراقاً من الشمس التي بدأت تشرق.»
— فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى.
هناك، وسط الجليد والصراخ والبؤس، حدث شيء حاسم. ليس رؤية بالعين، بل رؤية بشيء أعمق. وكتب فرانكل لاحقاً:
«لأول مرة في حياتي رأيت الحقيقة كما صاغها الشعراء والحكماء: أن الحب هو الغاية الأسمى التي يسعى إليها الإنسان. أدركت أن خلاص الإنسان هو من خلال الحب وفي الحب.»
— فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى
هذه ليست فلسفة كُتبت في مكتبة هادئة، بل اكتشاف خرج من قلب الجحيم. رجل سُلب منه كل شيء اكتشف أن الحب لا يمكن سرقته.
ثالثاً: الحب بلا حضور.. المعجزة الكبرى
ثم يذهب فرانكل أبعد من ذلك. في تلك اللحظة لم يكن يعلم إن كانت زوجته حية أم لا. ومع ذلك كتب:
«توقف الأمر عن الأهمية. لم يكن ثمة حاجة لأن أعرف. لا شيء كان بمقدوره أن يمسّ قوة حبي وصورة حبيبتي. ولو كنت أعلم أنها ماتت، لظللت أتأمل صورتها بنفس الحيوية.»
— فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى
كانت زوجته قد ماتت فعلاً، لكنه لم يكن يعلم. ومع ذلك بقي الحب حياً هنا يكمن الاكتشاف الكبير، الحب في أعمق صوره لا يعتمد على الجسد الحاضر، ولا يحتاج إلى تأكيد الآخر، ولا يُشترى بالقرب ولا يُفقد بالموت. إنه حالة داخلية، حرية يمارسها الإنسان في أي ظرف.
وهنا يلتقي فرانكل بدي ميلو من طريقين مختلفين. دي ميلو يقول إن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى الآخر كي يوجد. وفرانكل يثبت هذه الفكرة من داخل أوشفيتس.
رابعاً: لحظة الغروب - الجمال كدليل على بقاء الروح
في أحد الأيام، بينما كان السجناء منهكين ويحملون أوعية الحساء، ركض أحدهم طالباً منهم الخروج لرؤية غروب الشمس.
خرجوا. السماء كانت ملتهبة بالألوان، من الأزرق الفولاذي إلى الأحمر الدموي، والسحاب يتشكل ويتبدل. وبعد دقائق من الصمت قال أحد السجناء: «كم كان يمكن أن يكون العالم جميلاً!»
— فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى
ليس «العالم جميل»، بل «كان يمكن أن يكون». في هذه الجملة تختلط المأساة بالأمل. رجال قد يموتون غداً ما زالوا قادرين على رؤية الجمال.
دي ميلو يصف الفكرة نفسها بطريقة أخرى حين يتحدث عن الوردة والمصباح والشجرة:
«الوردة لا تستطيع حجب عطرها. المصباح يضيء للجميع. الشجرة تعطي ظلها لمن يأتي. هكذا الحب الحقيقي — طبيعة لا قرار.»
— أنتوني دي ميلو، اليقظة
السجناء لم يقرروا أن يحبوا الجمال. الجمال فقط أيقظ فيهم شيئاً كان موجوداً دائماً.
خامساً: الحرية الأخيرة.. حرية الاستجابة
يكتب فرانكل الجملة التي أصبحت لاحقاً محور فلسفته كلها:
«يمكن أن تُسلب منك كل الأشياء إلا شيئاً واحداً: حريتك في اختيار موقفك.»
— فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى
هنا يلتقي فرانكل ودي ميلو في نقطة واحدة. الحب ليس شيئاً يحدث لنا، بل شيئاً نختاره. ليس رد فعل لوجود شخص أو غيابه، بل حالة داخلية يمكن ممارستها حتى في أقسى الظروف.
دي ميلو يصف الفرق بين الرغبة والتفضيل. الرغبة تقول: «لن أكون سعيداً إلا إذا حصلت على هذا الشخص». أما التفضيل فيقول: «يسعدني وجوده، لكن سعادتي لا تعتمد عليه». وفرانكل يثبت ذلك في أقسى تجربة إنسانية ممكنة.
سادساً: الوهم الكبير.. حين نحب الصورة لا الإنسان
يعود دي ميلو إلى نقطة البداية من زاوية أعمق. نحن لا نرى الناس كما هم، بل كما نحن. طبقات من التوقعات والخوف والذكريات تحجب الرؤية.
«حين تحضن صديقاً قديماً وتقول اشتقت إليك — من تحضن؟ الشخص أمامك أم ذاكرتك عنه؟»
— أنتوني دي ميلو، اليقظة
نحن في كثير من الأحيان لا نحب الشخص، بل الصورة التي صنعناها عنه. وهذا الوهم يصنع سجناً مزدوجاً، نحن محبوسون في صورنا عن الآخرين، وهم محبوسون في صورنا عنهم.
الحب الحقيقي يبدأ عندما نكسر هذه الصور ونرى الإنسان كما هو، في لحظته الحاضرة.
سابعاً: الوحدة والطريق إلى الحب
من أكثر أفكار دي ميلو جرأة قوله إن الطريق إلى الحب يمر عبر الوحدة.
«لكي تصل إلى أرض الحب، يجب أن تعبر آلام الموت للحاجة إلى الناس.»
— أنتوني دي ميلو، اليقظة
المقصود هنا ليس العزلة الاجتماعية، بل الاستقلال العاطفي. أن تكون مكتفياً بذاتك، لا محتاجاً للآخر كي تكون. حينها يصبح الآخر هدية لا ضرورة.
فرانكل عاش هذه الحقيقة بطريقة معكوسة. فقد فُرضت عليه الوحدة قسراً. ومع ذلك اكتشف أن الحب لم يمت. من طريقين مختلفين يصل الرجلان إلى الحقيقة نفسها وهي أن الحب الذي لا يصمد في الوحدة ليس حباً.
ثامناً: الحب والمعنى
يبني فرانكل نظريته العلاجية كلها عن طريق العلاج بالمعنى، على فكرة أن الإنسان يحتاج معنى أكثر مما يحتاج لذة أو سلطة، والمعنى يأتي من ثلاثة مصادر: العمل، الجمال، والحب في المعسكر سُلب السجناء العمل والجمال، لكن الحب ظل ممكناً. حتى لو كان حباً متخيلاً.
«يمكن للإنسان أن يعيش في ظروف بائسة جداً إذا كان لديه سبب يعيش من أجله.»
— فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى
دي ميلو يكمل الصورة، ويقول أن حين يفقد الإنسان المعنى، يبحث عنه في الثروة أو السلطة أو الانتباه. لكنها بدائل مؤقتة. المعنى الحقيقي يبدأ حين يستيقظ الإنسان لما هو موجود بالفعل في داخله.
ما يبقى؟
يختم دي ميلو كتابه بقصة مخترع النار الذي علم الناس إشعالها. بعد موته رسموا صورته وعبدوه، لكن النار نفسها اختفت.
«أين النار؟ أين الحب؟»
— أنتوني دي ميلو، اليقظة
ويختم فرانكل كتابه بجملة تختصر التجربة الإنسانية كلها: «الإنسان هو الكائن الذي اخترع غرف الغاز في أوشفيتس، لكنه أيضاً الكائن الذي دخلها منتصباً وعلى شفتيه صلاة.»
— فيكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن معنى
بين هاتين الجملتين تقع قصة الإنسان كلها، القدرة على الشر المطلق، والقدرة في الوقت نفسه على أسمى درجات الحب والكرامة.
الحب كما يراه دي ميلو وفرانكل ليس شعوراً ننتظره. إنه اختيار نمارسه. اختيار أن نرى الإنسان كما هو، وأن نبقى مضيئين حتى حين يطفأ كل نور حولنا.
الحب الحقيقي في جوهره حرية داخلية لا يستطيع أحد انتزاعها.
حتى أوشفيتس.
