الصحفى محمد معتز يكتب
حكمدار القاهرة البريطاني الذي أحبَّ مصر ليحكمها
أربعة وأربعون عاماً في قلب القاهرة
في عام 1902 وصل شاب بريطاني في الثالثة والعشرين من عمره إلى القاهرة حاملاً رتبة ضابط في الشرطة المصرية، لا يعرف من العربية كلمة، ولا من مصر سوى ما قرأه في الكتب. لم يكن يدري حين وطئت قدماه أرض الميناء أنه لن يغادرها إلا بعد أربعة وأربعين عاماً، وأن القاهرة ستغدو وطنه الحقيقي بكل ما في هذه الكلمة من معنى أو ربما أكثر.
كان اسمه توماس وِنتورث راسل. وحين غادر مصر عام 1946 متقاعداً بعد أن حمل لقب «حكمدار القاهرة»، كتب في مذكراته التي صدرت عام 1949 بعنوان Egyptian Service:
«يتصوَّر البعض أن 44 عاماً وقتٌ طويل من الحياة، لكنني أراها حياة كاملة في حد ذاتها.. لقد أتيتُ إلى الخدمة في مصر كشاب عمره 23 عاماً، وتركتها الآن بعد 44 عاماً من العمل، وأستطيع الآن أن أقرر أنني أنفقت حياتي كلها في العمل.»
هذه المفارقة -ضابط احتلال يصف مصر بأنها حياته كلها- هي جوهر قصة راسل، وهي ما يجعل مذكراته وثيقة استثنائية تتجاوز حدود السيرة الذاتية إلى التاريخ النفسي والسياسي لمرحلة بالغة الحساسية في تاريخ مصر الحديث.
رجل في مدينة
القاهرة التي استقبلت راسل الشاب لم تكن مدينة عادية. كانت في مطلع القرن العشرين واحدة من أكثر مدن العالم اكتظاظاً بالتناقضات: عاصمة خديوية تحمل بريق الاستقلال في واجهتها الرسمية، بينما تُخفي خلف الستار سلطة بريطانية فعلية كاملة.
وصف راسل الإسكندرية - التي عمل فيها سنوات قبل القاهرة- بأسلوب من يرى المدينة بعينَي من ينتمي إليها:
«كانت القاهرة، بقلعتها وآثارها القديمة الساحرة، مدينة شرقية قديمة، بينما كانت للإسكندرية بعض السمات الغربية المتبقية من أصولها الإغريقية، ما يجعلها تبهر القادم الجديد. وعندما تقود سيارتك في منطقة الميناء، ربما تعتقد أنك تسير في مارسيليا أو نابولي، خاصة عندما ترى الشوارع المبلطة غاصّة بالعربات وفائرة بعمال الميناء من جميع الفئات والأجناس.»
في هذه المدينة المركبة بدأ راسل مشواره من الصفر. انكب على تعلم العربية بجدية نادرة بين زملائه البريطانيين، وتشرّبها حتى تحدث بها بطلاقة أذهلت المصريين أنفسهم. ولم يكتف بلغة التقارير الرسمية، بل تعلّم لغة الشوارع والحارات والأسواق.
كتب لاحقاً خلاصة تجربته: «إن الحياة، كما عشتها بين الفلاحين، أكسبتني معرفة عظيمة، ليس فقط باللهجة العامية، وإنما بالحياة اليومية للناس وعقلياتهم.»
ومن الشواهد اللافتة على طبيعة علاقته بالمجتمع قصة جمله الشهير «أبو رصاص» - الجمل الذي أهداه أحد الشيوخ ورافقه في دوريات الصحراء. في إحدى المرات تركه راسل يسير وحده في شوارع القاهرة دون توجيه: «من دون أن أنطق كلمة «قف»، استدار ناحية اليمين، وبعد أربعين ياردة استدار يساراً نحو شارعي، وأمام باب بيتي وقف تماماً. وكما قال حامد فإن «أبو رصاص» كان أكثر حكمة من كثير من الرجال.»
حرب على الظلام
إذا كانت هناك معركة واحدة تُعرّف راسل باشا في التاريخ، فهي حربه الطويلة على تجارة المخدرات.
لم تبدأ هذه الحرب فجأة، بل تشكلت تدريجياً منذ سنواته الأولى في مصر. يصف بدايات اهتمامه بالظاهرة قائلاً: «ومنذ أيامي المبكرة في مصر، كان لي أن أتعامل مع تجارة الحشيش، وصار أحد اهتماماتي منصبّاً على التسلّي بالصيد أكثر من مجابهة الغضب تجاه مهربي المخدرات. وكان الضرر الناتج عن المخدرات معتبراً بلا شك، لكن أحداً لم يكُن يفكر في ذلك.»
لكن التحول الحقيقي جاء عام 1928 حين اكتشف انتشار الهيروين بين الطبقات الفقيرة في القاهرة، خصوصاً في حي بولاق. يصف المشهد بمرارة واضحة «في سنة 1928م، بدأت أكتشفُ أن شيئاً ما لم نرَه من قبل يحدث في الأحياء الفقيرة الجديدة في القاهرة، وللمرة الأولى نسمع عن طريقة الحقن الوريدي للهيروين، وسريعاً صار شائعاً بين المتعاطين. وبدأنا نجد حطام بشر يرقدون في طرقات بولاق، بوجوه شاحبة أقرب إلى الموت.»
وبعد تحقيقاته الأولية توصل إلى تقدير صادم؛ «خلصت إلى أنه من بين 14 مليون شخص، عدد سكان البلاد في ذلك الوقت، كان نصفهم على الأقل عبيداً لهذا المخدر.»
عام 1929 أسس راسل «مكتب مكافحة المخدرات المركزي»، وهو من أوائل الأجهزة المتخصصة في العالم. وكانت أساليبه مبتكرة؛ فقد استعان بطائرات الجيش لاكتشاف مزارع الخشخاش المخفية، وكتب واصفاً منظرها من الجو:
«كان منظر رقعة الخشخاش جميلاً بأفرعها الأربعة وتيجانها الخضراء وزهورها المنفردة؛ إذ تختفي بين محاصيل الفول، لكنها تظهر من أعلى كقطع من المناديل الورقية الموضوعة على سجادة خضراء مظللة.»
لكن أكبر العقبات كانت نظام الامتيازات الأجنبية الذي كان يمنح كثيراً من الأجانب حصانة من القانون المصري. وبعد إلغائه عام 1946 كتب متأملاً: «إن ٩٠٪ من التحسن المتحقق في مكافحة المخدرات يعود إلى إلغاء الامتيازات.»
ولم تقتصر جهوده على مصر وحدها؛ فقد شارك في مؤتمرات عصبة الأمم في جنيف لمكافحة تجارة المخدرات، وقدم بيانات دقيقة عن الإنتاج العالمي. وفي إحدى الجلسات عام 1931 واجه تركيا بالأرقام: «وكان من السهل عرض المعلومات، خاصة أن الحكومة التركية أعلنت بالفعل عن تصدير طنَّين من المورفين وأربعة أطنان من الهيروين خلال الشهور الستة الأولى من عام 1930.»
شاهد من الطرف الآخر
في عام 1919 انفجرت مصر في ثورة شعبية غير مسبوقة. خرج المصريون بكل فئاتهم: مسلمون وأقباط، رجال ونساء، طلاب وفلاحون.
كان راسل في قلب الأحداث بحكم منصبه في جهاز الشرطة. وفي تفسيره لأسباب الثورة كتب: «لقد جرت هذه الاضطرابات نتيجة تجمُّع عدة أسباب تضمنت: تأجج الحركة الوطنية بقيادة سعد باشا زغلول… وتزامن ذلك مع سوء أحوال الفلاحين.»
ثم يصف معاناة الفلاحين المصريين خلال الحرب العالمية الأولى «جرى إبعاد الفلاح عن أسرته وضد رغبته ليذهب إلى مكان صعب وخطر، وبعد ذلك أُجبر على تقديم حماره وجمله للقوات المحاربة.»
وعندما اندلعت المظاهرات في مارس 1919 كتب:
«وفي يوم الثلاثاء، الحادي عشر من مارس، في الساعة الثامنة والنصف صباحاً، اضطُررتُ لطلب النجدة من السلطات العسكرية البريطانية.»
وفي ميدان عابدين واجه مظاهرة ضخمة تهتف «تحيا الثورة… الموت للإنجليز.»
لكن خلاصة الدرس بالنسبة إليه كانت واضحة «وكان الدرس المستفاد أنه في ظل الظروف المشابهة، فإنه لا ينبغي أبداً السماح لأي مظاهرة بالسير في المستقبل.»
وهنا تظهر المفارقة في شخصية راسل: رجل يعترف بعدالة كثير من مظالم المصريين، لكنه يظل في النهاية موظفاً في جهاز الاحتلال.
القاهرة التي لم تعد موجودة
القاهرة التي وصفها راسل لم تعد موجودة اليوم. كانت مدينة متعددة الثقافات يعيش فيها المصريون والأتراك واليونانيون والإيطاليون والشوام في نسيج حضري واحد.
لكن هذا التعايش كان يحمل توترات كامنة، خصوصاً مع نظام الامتيازات الأجنبية الذي جعل بعض الأجانب يشعرون أنهم فوق القانون. يروي راسل حادثة إطلاق نار من شرفات منازل يونانية على المتظاهرين «لقد كان ذلك مثالاً فادحاً لاحتقار الامتيازات؛ حيث كان كل شخص منهم يحمل في يده اليمنى بندقيته وفي اليسرى أوراق جنسيته.»
التناقض الذي لا يُحل
تطرح مذكرات راسل سؤالاً أخلاقياً عميقاً: هل يمكن أن يكون الإنسان عادلاً وهو يخدم نظام احتلال؟
في لحظة صراحة كتب «لقد جئت أنا وزملائي الإنجليز إلى مصر في الأيام المبكرة لخدمة المصريين لاتخاذ طريقهم نحو الحكم الذاتي.»
لكن هذه الجملة نفسها تكشف التناقض: حب حقيقي لمصر من جهة، وانتماء لا يمكن إنكاره لمنظومة الاحتلال من جهة أخرى.
الوداع
عام 1946 تقاعد راسل بعد أربعة وأربعين عاماً في مصر. وفي خاتمة مذكراته كتب: «وفي النهاية، فإن كرم مصر ولطفها لم يخذلاني أبداً؛ فقد قضيت سنوات كثيرة سعيدة في هذا البلد ذي الفتنة والجمال.»
وهكذا انتهت قصة بريطاني جاء ليحكم مدينة، فإذا بالمدينة تسكن قلبه.
في النهاية، يظل كتاب Egyptian Service 1902–1946 من أهم الشهادات التاريخية عن مصر في النصف الأول من القرن العشرين. يجب قراءته بعين نقدية، لأنه يعكس منظور رجل من داخل جهاز الاحتلال، لكنه يقدم في الوقت نفسه مادة توثيقية نادرة عن القاهرة والمجتمع المصري وتاريخ الجريمة المنظمة في تلك الحقبة، اقرأه كما يقرأ المؤرخ وثيقة المحتل؛ بعقل مفتوح وعين ناقدة معاً.
https://www.facebook.com/share/v/1L3ikGXvS6/?mibextid=wwXIfr
المصادر
Egyptian Service 1902–1946 – Thomas Russell Pasha – London 1949
الترجمة
مصطفى عبيد – الرواق للنشر والتوزيع
1902–1946 | مصر في العهد الملكي وعصر الاحتلال البريطاني
المحاور
مكافحة المخدرات – ثورة 1919 - القاهرة الكوزموبوليتانية - الجريمة المنظمة

