recent
أخبار ساخنة

الصحفي محمد معتز يكتب : حين يصبح الشيء جزءًا منّا


 الصحفي محمد معتز يكتب :

حين يصبح الشيء جزءًا منّا

كيف يصنع التعلق هوية زائفة، ولماذا يبدو الفقد أحيانًا كأنه

فقد للذات؟


لا يبدأ التعلق عند الفقد، بل قبله بكثير. يبدأ عادةً في لحظة بسيطة لا ينتبه إليها أحد، حين نقول عن شيء ما إنه «لي». عند هذه النقطة، لا يعود الشيء مجرد شيء، بل يدخل إلى منطقة أعمق من الوعي، حيث يختلط بالمكانة والصورة الذاتية والشعور بالوجود.


 هذه هي الفكرة التي يفككها إيكهارت تول في كتابه A New Earth، حين يشرح كيف تتحول الأشياء داخل العقل إلى امتدادات للهوية، لا إلى ممتلكات عابرة، في أحد الأمثلة التي يستخدمها تول، لا تكون المشكلة في الخاتم الماسي الذي فقدته امرأة، بل في المعنى الذي حمّلته له. الخاتم، في نظرها، لم يكن مجرد قطعة زينة، بل جزءًا من صورتها عن نفسها. وحين اختفى، لم تشعر أنها فقدت شيئًا ماديًا فقط، بل شعرت وكأن جزءًا من ذاتها قد انتُزع. هنا بالضبط يبدأ الخلط: لا نفقد الشيء ذاته، بل نفقد الفكرة التي صنعناها عنه، ومعها يتزعزع إحساسنا بأنفسنا.


يذهب تول أبعد من ذلك حين يربط بين اللغة والتعلّق. فالكلمة الصغيرة التي تبدو بريئة، مثل «لي»، لا تصف ملكية فقط، بل تصنع تماهيًا نفسيًا عميقًا. الطفل الذي يبدأ في قول «لعبي» أو «كتابي» لا يتعلم مجرد التعبير عن الملكية، بل يتعلم أن يُدخل الأشياء في بنية «الأنا». ومن هنا يتشكل الوهم الكبير: ما أملكه هو أنا، وما أفقده هو نقص فيّ. بهذا المعنى، تصبح اللغة نفسها أداة لصناعة التعلّق قبل أن يصبح التعلّق سلوكًا واضحًا.


هذه الآلية تفسر لماذا يبدو بعض الفقد أكبر بكثير من قيمته الواقعية قد يكون الشيء بسيطًا، لكنه يكتسب ثقله من المكان الذي وضعناه فيه داخل وعينا. وهنا تصبح الملكية قصة ذهنية أكثر منها حقيقة مادية. نحن لا نعيش مع الأشياء كما هي، بل كما نُعيد تشكيلها داخل عقولنا. ولذلك فإن الألم عند ضياعها لا يأتي من الخسارة وحدها، بل من انهيار البناء النفسي الذي علقنا عليه شعورنا بالقيمة والوجود.


في هذا السياق يصبح مفهوم «الأنا» أكثر وضوحًا، الأنا، كما يشرح تول، لا تشبع أبدًا. هي لا تبحث عن الأشياء لذاتها، بل عمّا تمنحه لها من شعور بالتفوق أو الامتلاك أو التميز. لذلك لا يكون التعلّق بالخاتم تعلّقًا بالحجر نفسه، بل بما يمثله: المكانة، الذكرى، التفرّد، أو الإحساس بأن هناك شيئًا يضمن استمرارية الصورة التي نريد أن نرى أنفسنا بها. وكلما فقدنا هذا المعنى، لجأت الأنا إلى بدائل جديدة، لأن فراغها لا يهدأ.


المفارقة أن الفقد، في لحظات كثيرة، يكشف الحقيقة أكثر مما يجرحها. حين يسقط الشيء من اليد، يسقط معه جزء من الوهم. وما يبقى بعد ذلك هو السؤال الأصعب من نحن حين لا يبقى معنا ما كنا نربط به أنفسنا؟ هنا يرى تول أن التماهي مع الأشكال هو أصل المعاناة. الأشكال تتغير، الأشياء تزول، الوظائف تنتهي، العلاقات تتحول، والجسد نفسه يدخل في مساره نحو الفناء. لكننا، رغم ذلك، نُصر على التعامل مع الزائل بوصفه ثابتًا.


الوعي بهذه الحقيقة لا يعني الزهد السلبي ولا الانسحاب من الحياة، على العكس، ما يقترحه تول هو العكس تمامًا، أن نستمتع بالأشياء دون أن نضيع فيها، وأن نحبها دون أن نربط وجودنا بها. يمكنك أن تقتني، أن تستخدم، أن تفرح، أن تتذوق، لكن دون أن تخلط بين ما تملكه وبين ما أنت عليه، الفرق بين الامتلاك والتماهي هو الخط الفاصل بين الحرية والاعتماد النفسي.


وفي العمق، لا تعود القضية قضية خاتم أو مال أو منصب. إنها قضية وعي. الإنسان الذي يبحث عن نفسه في الأشياء الخارجية يظل في حالة جوع داخلي دائم، لأن الخارج بطبيعته مؤقت، أما حين يبدأ في إدراك أن هويته الحقيقية لا تُختزل في ما لديه، بل في الوعي الذي يشهد على كل ذلك، عندها فقط يتخفف من القبضة التي تشده إلى القلق والخوف.

لهذا تبدو قصة الخاتم، في ظاهرها، قصة فقد عابر، لكنها في جوهرها تمرين على التحرر، فالإنسان لا يكتشف ذاته حين يتكدس حوله المزيد، بل حين يتعلم كيف يفصل بين ما يملك وما يكون. وكلما زاد التصاقه بالأشياء، زاد خوفه من الفقد. وكلما اتسعت مسافة الوعي بينه وبينها، خفّ ثقلها عليه.

في النهاية، لا تصبح المشكلة في أن نفقد شيئًا، بل في أن نعتقد أن فقده يساوي فقداننا نحن.


 والحقيقة التي يحاول تول الوصول إليها بسيطة وعميقة في الوقت نفسه، ما أنت عليه أوسع بكثير من أي شيء يمكن أن يحمل اسم «لي». ومن يفهم ذلك، لا يعود أسيرًا لما يملكه، بل يصبح قادرًا على أن يعيش بلا أن يُختزل.

google-playkhamsatmostaqltradent