recent
أخبار ساخنة

الصحفى محمد معتز يكتب..الاحتلال البريطاني والاغتيالات السياسية في مصر .. شهادة حكمدار القاهرة من داخل العاصفة


 الصحفى محمد معتز يكتب..الاحتلال البريطاني والاغتيالات السياسية في مصر

شهادة حكمدار القاهرة من داخل العاصفة

من بطرس غالي إلى أمين عثمان ثلاثة عقود من الدم السياسي



1910 — اغتيال رئيس الوزراء القبطي بطرس غالي

14 — محاولة اغتيال لمسؤولين مصريين في الفترة الأولى

21 — محاولة اغتيال لمسؤولين بريطانيين في الفترة نفسها


في عام 1924 اغتيل السير لي ستاك، سردار الجيش البريطاني في مصر، في شارع قصر العيني. كان ذلك الاغتيال واحداً من سلسلة طويلة من الجرائم السياسية التي شهدتها مصر بين 1910 و1946 سلسلة وثّقها توماس راسل باشا بعين رجل كان في قلب الأحداث.


في الفصل السابع عشر من مذكراته يرسم راسل صورة دقيقة لظاهرة الاغتيال السياسي في مصر الملكية، أسبابها، وأساليبها، والآثار التي تركتها على المجتمع وعلى جهاز الشرطة نفسه. إنها شهادة لا تظهر في الكتب المدرسية، بل في ذاكرة رجل عاش داخل العاصفة.



الأرقام التي لا تكذب


يفتتح راسل هذا الفصل بإحصاءات صادمة تضع الظاهرة في سياقها الحقيقي: «لا شك أن الأربعين عاماً الأخيرة في تاريخ مصر من بداية القرن العشرين وحتى الأربعينات منه  شهدت فترتين عصيبتين من الاغتيالات السياسية التي أحدثت قلقاً بالغاً لدى الحكومات المصرية المتعاقبة.»


ويذكر راسل أرقاماً دقيقة بين عامي 1910 و1924 وقعت أربع عشرة محاولة اغتيال لمسؤولين مصريين، وإحدى وعشرون محاولة اغتيال لمسؤولين بريطانيين. ثم جاءت فترة هدوء نسبي استمرت اثني عشر عاماً قبل أن تعود موجة الاغتيالات من جديد بين عامي 1937 و1946.


ويحدد راسل جذور الظاهرة بوضوح لافت: «لم يكن هناك خلاف جوهري في تطلعات الأحزاب السياسية المختلفة في مصر، التي تطالب جميعاً بإنهاء الاحتلال البريطاني وتحقيق الاستقلال التام. وكان الاختلاف الوحيد بينها هو أن بعضها يرى أن الوصول لذلك يجب أن يكون تدريجياً، بينما يرى الآخرون ضرورة تحقيق ذلك فوراً.» ، بمعنى آخر، الجميع يريد الاستقلال، لكن الخلاف كان حول الطريق.


فلسفة الصدام


هذه الملاحظة تضعنا أمام معضلة يمكن تسميتها معضلة الدم السياسي. فالاغتيال في تلك المرحلة لم يكن موجهاً إلى أشخاص لذواتهم بقدر ما كان موجهاً إلى المنهج الذي يمثلونه.


حين انقسمت الحركة الوطنية بين من يرى التدرج في إنهاء الاحتلال ومن يطالب بالقطيعة الفورية معه، ظهرت فجوة بين السياسة الواقعية والرغبة الثورية وفي هذه الفجوة ازدهرت فكرة الاغتيال بوصفها أداة لتسريع التاريخ.


لم يكن القاتل يرى نفسه قاتلاً بالمعنى التقليدي، بل صاحب مهمة سياسية ومن هنا تحولت بعض عمليات الاغتيال إلى ما يشبه محاولة كسر الجمود السياسي بالقوة.



يوم اغتيل السردار


كان السير لي ستاك سردار الجيش البريطاني في مصر وحاكماً عاماً للسودان وفي التاسع عشر من نوفمبر 1924، كان راسل عائداً من مكتبه للغداء عندما أوقفه الجنرال كونكريف على كوبري قصر النيل ليخبره بالخبر: «في اليوم التاسع عشر من نوفمبر سنة 1924 كنت أعود من مكتبي للغداء وعبرت كوبري قصر النيل عندما أوقفني الجنرال كونكريف ليصدمني بأن السير لي ستاك تم اغتياله في شارع قصر العيني بجوار مكتب الحرب المصري.»


توجه راسل فوراً إلى موقع الجريمة وكتب: «ذهبت سريعاً إلى موقع الحدث لأجدهم نقلوا السردار هامداً إلى مقر قصر الدوبارة.»


وبينما كان يصدر أوامره للشرطة، وصل رئيس الوزراء سعد زغلول إلى المكان. يصف راسل الموقف: «جاء سعد زغلول وكان يبدو متوتراً للغاية وسألني عمّن أشتبه بهم وما الإجراءات التي أنوي اتخاذها.»


طلب راسل الإعلان عن مكافأة مالية كبيرة لمن يقدم معلومات عن القتلة، ووافق زغلول فوراً وبعد تحقيق طويل نجحت الشرطة في القبض على المتهمين. تسعة أشخاص قُدموا للمحاكمة، وصدر حكم الإعدام على سبعة منهم.


علق راسل قائلاً: «إن النجاح الفريد الذي حققته الشرطة في هذه القضية يرجع إلى الحرية التامة التي منحنا إياها وزير الداخلية والمدعي العام.»


الرؤية المقابلة


لكن التاريخ السياسي المصري يروي القصة بزاوية أخرى فبينما رأى راسل في كشف الجناة نجاحاً أمنياً كبيراً، اعتبر كثير من المؤرخين المصريين أن عملية الاغتيال نفسها كانت خطأً استراتيجياً فقد استغلت بريطانيا الحادث لتوجيه إنذار قاسٍ للحكومة المصرية، أدى في النهاية إلى سقوط حكومة سعد زغلول وإلى فرض شروط سياسية قاسية، من بينها سحب الجيش المصري من السودان.


وهكذا يظهر الحدث في صورتين مختلفتين نجاح أمني في سجل، الشرطة، وأزمة سياسية عميقة في تاريخ الحركة الوطنية.



كيف تعمل خلايا الاغتيال


تكمن أهمية شهادة راسل في تحليله العملي لطريقة عمل خلايا الاغتيال فهو لا يروي الأحداث فقط، بل يشرح الآليات.


يكتب: «كانت القضايا الثلاث متشابهة في التنفيذ، حيث يقوم ثلاثة أو أربعة أشخاص بإطلاق النار على الضحية وهو في سيارته أو أثناء سيره في الشارع.»


كانت المراقبة المسبقة جزءاً أساسياً من العملية، تُدرس تحركات الهدف بدقة، وتُعد قوائم بالأوقات التي يخرج فيها من منزله أو مكتبه وفي كثير من الحالات يتخفى المنفذون في هيئة باعة صحف أو متجولين.


أما الهروب فكان التحدي الأكبر، يكشف راسل تفصيلاً تقنياً تعلمه من أحد المحكوم عليهم بالإعدام: «وجدنا أن أفضل طريقة لحماية شخصية ما هي أن تتبعها سيارة أخرى.»


فالسيارة الخلفية كانت كفيلة في رأي المنفذين أنفسهم  بإفشال كثير من عمليات الاغتيال قبل وقوعها.




الاغتيال الأصعب: أمين عثمان باشا


من بين كل القضايا التي تعامل معها راسل، كانت قضية اغتيال وزير المالية أمين عثمان باشا عام 1946 الأكثر حساسية، كان أمين عثمان يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز السياسيين المقربين من بريطانيا في مصر. ولذلك اكتسبت القضية بعداً سياسياً واسعاً.


كتب راسل: «كانت قصة الشرطة في هذه القضية كاملة متكاملة بعد تحقيقات حساسة دامت ستة أشهر.»، قدمت النيابة أدلة قوية، منها اعتراف تفصيلي لأحد المتهمين.


سيكولوجية القاتل والهدف


لكن قراءة القضية تختلف جذرياً بحسب موقع الراوي ففي مذكرات راسل يظهر أمين عثمان بوصفه رجل دولة متزناً، وضحية لعملية اغتيال سياسي، أما في مذكرات بعض المتهمين في القضية ومنهم أنور السادات في كتابه البحث عن الذات، فقد قُدمت العملية بوصفها فعلاً من أفعال المقاومة الوطنية ضد النفوذ البريطاني.


هنا تتجلى المفارقة أن العملية نفسها تُقرأ بطريقتين متناقضتين. في رواية الشرطة هي جريمة ضد النظام وفي رواية المنفذين هي محاولة لتغيير النظام.



الشرطة في مواجهة السياسة


يكتب راسل بصراحة لافتة عن الضغوط التي واجهتها الشرطة خلال تلك السنوات، كانت الضغوط تأتي من السياسيين، ومن المحامين، ومن الصحافة وكان المطلوب دائماً معرفة ما يحدث داخل التحقيقات.


لكن راسل يؤكد أن نجاح التحقيقات كان مرتبطاً بشرطين أساسيين:


«الحرية التامة التي منحنا إياها وزير الداخلية والمدعي العام… والسرية التامة.» حين توفر هذان الشرطان نجحت الشرطة في كشف الجرائم. وحين غابا بقيت بعض القضايا بلا حل.



ما تعلمه الدم


في ختام الفصل يعترف راسل بأن تلك السنوات تركت في ذاكرته قدراً من المرارة. ليست مرارة الهزيمة، بل مرارة من يعرف كم كان يمكن إنجازه لو أتيح للشرطة دائماً العمل بالحرية نفسها.


ثلاثة عقود من الدم السياسي، وأربعة وأربعون عاماً في الخدمة ورجل واحد يقف بين الجريمة والسياسة محاولاً رسم الحد الفاصل بينهما.



شهادة من المقعد الخلفي


تظل مذكرات توماس راسل باشا نوعاً خاصاً من الوثائق التاريخية فهي ليست مجرد سيرة شخصية لضابط شرطة، ولا كتاب تاريخ بالمعنى التقليدي، السياسيون المصريون الذين كتبوا عن تلك المرحلة ركزوا على الأهداف الوطنية والصراعات السياسية أما راسل فقد ركز على شيء آخر: الآليات والنتائج.


هو لا يسأل لماذا اندلعت تلك الصراعات، بل كيف تحولت إلى عمليات اغتيال، وكيف حاولت الشرطة التعامل معها، ومن هذه الزاوية تقدم المذكرات رؤية نادرة رؤية السلطة الأمنية وهي تراقب التحولات السياسية الكبرى من داخل الشارع.


إنها ليست الرواية الوحيدة لتاريخ تلك المرحلة، لكنها تظل شهادة لا يمكن تجاهلها لفهم كيف كانت القاهرة  في تلك السنوات المضطربة مسرحاً لصراع سياسي كان يُحسم أحياناً بالرصاص.



المصدر

توماس راسل باشا

Egyptian Service 1902–1946

ترجمة مصطفى عبيد

الرواق للنشر والتوزيع

الفصل السابع عشر: الجريمة السياسية

google-playkhamsatmostaqltradent