القاهرة الخفية فى عهد الاحتلال الإنجليزي..
حواة الأفاعي والغجر والمجتمع السفلي
وجوه المدينة التي لا تراها الكتب الرسمية
القاهرة التي عرفها توماس راسل باشا على مدى أربعة وأربعين عاماً لم تكن مدينة واحدة. كانت مدناً متعددة تسكن بعضها داخل بعض، كعرائس متداخلة يرى الناس سطحها فقط، بينما تبقى طبقاتها الأعمق بعيدة عن النظر.
القاهرة التي كتب عنها المؤرخون كانت القاهرة الرسمية مبانيها وثوراتها وسياستها وأخبار قصورها ومؤسساتها. لكن راسل، بحكم عمله حكمداراً للشرطة لسنوات طويلة، عرف قاهرة أخرى. بل قاهرات أخرى تعيش في هوامش المدينة وخارج نطاق ما تسجله التقارير الرسمية.
في ثلاثة فصول من مذكراته تحديداً حواة الأفاعي، والغجر، والمجتمع السفلي للقاهرة يفتح راسل نوافذ على هذه القاهرة الخفية. نوافذ لا نجدها في كتب التاريخ ولا في الوثائق الحكومية، بل في ذاكرة رجل عاش داخل المدينة بما يكفي ليتعلم لغتها السرية.
رجل يعرف لغة الأفاعي
في العالم الذي يصفه راسل، كان حاوي الأفاعي شخصية تقف على خط رفيع بين الحقيقة والخدعة، بين العلم الشعبي والطقس الغامض، بين الحرفة والسر.
وأكثر من عرفه راسل في هذا العالم كان رجلاً يدعى الحاج أحمد، ارتبط معه بعلاقة طويلة استمرت حتى وفاة الرجل.
يقول راسل: «كنت على مدى سنوات طويلة، وحتى وفاته، أصطحبه معي بسيارتي إلى أماكن من اختياري حتى أتعلم منه أسرار فنونه.»
لم يكن الحاج أحمد مجرد حاوٍ يستعرض مهارته في الأسواق. كان خبيراً فعلياً بعالم الثعابين المصرية. وحين سأله راسل مباشرة إن كان يستطيع استدعاء الثعبان، جاءه الجواب بقدر كبير من الصراحة:
«لا هو ولا غيره يمكنه استدعاء الثعبان. وشرح أنه يستطيع تحديد مكان الثعبان على مسافة بضع ياردات عن طريق الرائحة، ومن خلال التصفير له يجعله يفح وتنبعث منه رائحة قوية، وبالتدريب والشدو فإنه يمكنه أن يفتن الثعبان ويظل مأخوذاً حتى تظهر عيناه في النهاية.»
هذه الواقعية كانت جزءاً من شخصية الحاج أحمد. وقد وصف راسل مهارات الحاوي الحقيقي بدقة تكاد تكون علمية: «مقتضيات حاوي الثعابين الناجح هي ثقته الكاملة بقوته أمام الثعابين، والنظرة الثاقبة لاكتشاف عيني الثعبان، وقدرة عالية على الشم، إلى جانب سرعة اليد والقدرة على شل حركة الثعبان السام بأصابع اليد الواحدة.»
لكن الصورة لم تكن دائماً مبهرة. فقد خرج الاثنان يوماً للبحث عن ثعابين أمام لجنة تحكيم، وراهن الحاج أحمد على أنه سيجد واحداً. مر الوقت ولم يظهر شيء، حتى بلغ اليأس ذروته: «وصلنا إلى درجة الشعور التام باليأس، حتى تضرع الحاج أحمد إلى الله وقال: إلهي، أرسل لي ثعباناً، بينما كان بعض أعضاء لجنة التحكيم يبتسمون شماتة.»
ثم، في اللحظة الأخيرة، عثر الرجل على ثعبانين مختبئين في خزانة مطبخ حديدية. أخرجهما بيديه ولوّح بهما في الهواء قبل أن يعض رأسيهما. وكان هذا الفعل جزءاً من تقليد خاص لدى الحواة:«حواة الأفاعي يرفضون دوماً قتل الثعابين الأسيرة.»
تجربة راسل مع الحاج أحمد تكشف شيئاً أعمق من مجرد حرفة غريبة. فالحاوي في القاهرة القديمة لم يكن «نمرة سيرك» كما يبدو اليوم في العروض السياحية، بل كان صاحب معرفة شعبية دقيقة بالطبيعة. قدرته على تتبع الثعابين بالرائحة لم تكن خرافة بقدر ما كانت شكلاً من أشكال العلم الشعبي الذي منح هذه المهنة دوراً عملياً في المجتمع، إذ كان الحواة يُستدعون لتطهير البيوت والحقول من الأفاعي. ومع الزمن، ومع ابتعاد المدينة عن الطبيعة، تحولت هذه المعرفة إلى فولكلور سياحي، وفقدت المهنة لغتها السرية التي كان الحاج أحمد يتقنها كما لو كانت طقساً صوفياً لا مجرد حرفة.
نهاية الحاج أحمد جاءت كما قد يتوقع المرء لمن يعيش حياته بين الأفاعي. فقد مات من عضة كوبرا، كما حدث لكثير من الرفاعية. لكن حياته، كما يصفها راسل، كانت حياة رجل أتقن حرفته حتى النهاية.
الغجر
القاهرة الخفية لم تكن فقط في أسرار الحواة. كانت أيضاً في مجتمعات كاملة تعيش على هامش المدينة، لا يراها معظم الناس ولا تحاول هي أن تكون مرئية.
الغجر كانوا واحداً من هذه المجتمعات.
استعان راسل في فهمهم بكتاب نادر للرحالة البريطاني ريتشارد بورتون بعنوان اليهود والغجر والإسلام. يقول:«كنت محظوظاً أن أحصل على نسخة من العمل النادر للسير ريتشارد بورتون.»
أكثر ما لفت انتباهه في وصف بورتون للغجر لم يكن أسلوب حياتهم، بل نظرة أعينهم:«الميزة البارزة لعين الغجري هي قدرتها على التدقيق في شيء ما خفي عنك… وعندما تنظر عينه نحوك فإنها تخترقك ثم تحدق بعيداً، وكأنها ترى شيئاً خلفك.»
ويضيف راسل ملاحظة طريفة: كثير ممن عرفوا بورتون شخصياً قالوا إن عينيه كانتا تحملان السمة نفسها، وكأن الرحالة الذي أمضى عمره يدرس الغجر قد حمل شيئاً منهم في داخله.
أما الغوازي ، فرع من الغجر اشتهر بالرقص، فقد كان لهن حضور واضح في القاهرة القديمة: «قبل ثمانين عاماً كان للغوازي أهمية كبيرة في مصر. لقد عاشوا في حي خاص إلى جوار القلعة، وأخرجوا أفضل الراقصات للبلد.»
إحدى هؤلاء الراقصات ذهبت أبعد من ذلك، إذ تزوجت من عمدة مركز أجا، وأصبحت — بحسب وصف راسل: «إحدى أهم النساء في المدينة، حيث حكمت البلدة بيد من حديد وأثبتت قدرة على القيادة أشد من قدرة زوجها.»
وفي قصة تمزج الطرافة بالتحليل الاجتماعي، يروي راسل حيلة غجرية حدثت في أسيوط. فقد تشاجر فريقان من الغجر أمام الفلاحين، وتدخل مدير المديرية للصلح. وفي اليوم التالي جاء الغجر بحقيبة إلى مكتبه: «وضعوها على الطاولة وشرحوا أنها تحتوي ثمن الصلح… ولم يطلبوا إيصالاً. وفي واقع الأمر احتوت الحقيبة على ٤٠٠ قطعة ذهبية.»
لكن المال لم يكن نهاية القصة. فقد استعادوا ما دفعوه وربما أكثر من الفلاحين في الطريق إلى منازلهم.
هذه القصص تكشف أيضاً طبيعة الوجود الغجري في مصر. فمجتمع «الدوم» عاش قروناً في حالة من اللاانتماء النسبي، محافظاً على مسافة واضحة من المجتمع المستقر. اللغة العصفورية، والتنقل، والاقتصاد القائم على الحيلة، كانت كلها أدوات للتكيف مع مجتمع لا يمنحهم مكاناً كاملاً داخله. لم يكن هدفهم الاندماج الكامل بقدر ما كان الحفاظ على مساحة أمان تحمي هويتهم الخاصة.
المجتمع السفلي: ما تحت القاهرة
الطبقة الأعمق من القاهرة الخفية كانت ما يسميه راسل المجتمع السفلي للمدينة. عالم القمار المنظم والبغاء والجريمة الدولية، الذي كان يعمل في وضح النهار خلف واجهات شبه رسمية.
في قلب هذا العالم كانت منطقة وش البركة.
ويستشهد راسل بوثيقة قديمة من أرشيف الشرطة تعود إلى عام 1894 كتبها الحكمدار فينويك باشا: «إنني ألفت انتباهك إلى وجود قطعان ضالة من الخنازير في الشوارع المجاورة لوش البركة… وعليك إزالة هذه القطعان.»
هذه الجملة القصيرة وحدها تكفي لرسم صورة كاملة عن حالة تلك المنطقة في ذلك الوقت.
لكن الشخصية الأكثر غرابة في هذا العالم كانت رجلاً يعرف باسم الغربي. يقول راسل: «لقد كان لهذا الرجل نفوذ عجيب في هذا البلد… وكان شراء النساء وبيعهن في القاهرة لا يتمان دون إذنه.»
عندما قرر المسؤول البريطاني هارفي باشا تنظيف المنطقة عام 1916، لاحظ راسل أن بنات الغربي لم يكنّ بين المحتجزات. وعندما سأل عنه اكتشف أن الحكمدار الجديد لم يسمع باسمه.
بعد نصف ساعة وصل الرجل:
«ضابط ضخم أسود يرتدي رداء أبيض، وفي يديه أساور ذهبية تشخلل أثناء سيره.»
أمر هارفي باشا فوراً باعتقاله وإيداعه مع فتياته في معسكر الحلمية. وكانت تلك نهاية نفوذه.
وجود شخصية مثل «الغربي» يكشف عن نمط متكرر في تاريخ
المدن الكبيرة: ظهور ما يشبه الحكومة الموازية. ففي الفراغات التي تتركها السلطة الرسمية تنشأ شبكات قوة غير رسمية تنظم التجارة المحرمة وتحافظ على نوع من الاستقرار الخاص بها. وهي الصورة التي سيصورها نجيب محفوظ لاحقاً في عالم الفتوات، لكن راسل كان يراها على أرض الواقع في أزقة الأزبكية.
القصة تحمل دلالة واضحة: الرجل كان معروفاً للجميع، لكن أحداً لم يمسه طالما بقي ميزان القوة على حاله.
ومن قصص هذا العالم أيضاً مداهمة صالة قمار في شارع عماد الدين كانت محمية بنظام إنذار معقد: حارس في الشارع، وجرس كهربائي، وباب بعين سحرية. خطط راسل للمداهمة بطريقة غير متوقعة:«استعنت بستة مجندين إنجليز ليتسكعوا في الشارع كما لو كانوا سكارى… ثم افتعلوا مشاجرة.»
انهار نظام الإنذار في اللحظة نفسها ونجحت المداهمة.
أما أغرب القضايا فكانت شبكة تجارة رقيق امتدت من القاهرة إلى مكسيكو سيتي. سافر راسل وزميله شخصياً للقبض على المتهم رغم مخاوفهما: «كنا نرفض أداء مهمتنا في المكسيك لأننا تصورنا أنها خطرة للغاية، لكننا قررنا في النهاية المجازفة.»
أُلقي القبض على المتهم وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة.
ويختم راسل:«ظلت الصدمة لدى العالم السفلي للجريمة حية بآثارها لفترة طويلة.»
القاهرة التي لا يراها التاريخ
هذه القاهرة الثلاثية قاهرة الحواة والغجر والمجتمع السفلي ليست هامشاً على تاريخ المدينة، بل جزء من نسيجها الحقيقي بينما كانت الصحف تتحدث عن السياسة والثورات، كانت هذه العوالم تعمل بصمت تحت سطح المدينة.
ما يميز راسل أنه لم يكتب عن هؤلاء بنبرة إصلاحية متعالية، ولا بعين باحث يراقب من بعيد، بل كمن عاش بينهم وفهم منطق حياتهم.
الحاج أحمد لم يكن دجالاً، بل صاحب حرفة يعرف حدودها.
والغجر لم يكونوا مجرد لصوص، بل مجتمعاً يطور أدوات البقاء في مواجهة الرفض الاجتماعي.
أما «الغربي» فلم يعمل في الظلام، بل في وضح النهار تحت حماية الجميع.
وهذا ما يجعل مذكرات راسل رغم كونها شهادة رجل من داخل جهاز الاحتلال وثيقة لا يمكن الاستغناء عنها فهو رأى ما لم يشأ كثير من البريطانيين رؤيته، وكتب ما لم يشأ كثير منهم كتابته.
القاهرة الخفية كانت موجودة دائماً.
لكن راسل وحده… كان يملك مفتاح بابها.
