تعقيب من الباحث احمد شعبان محمد على الندوة الرمضانية في النيجر حول مقال “ليلة القدر بين التضليل والتبجيل” للمفكر علي محمد الشرفاء الحمادي
-تعكس الندوة الرمضانية التي عُقدت في دولة النيجر حول مقال الكاتب والمفكر الاستاذ على الشرفاء ليلة القدر بين التضليل والتبجيل استمرار الحراك الفكري الذي تقوده مؤسسة رسالة السلام لنشر ثقافة القرآن وإحياء التدبر في آياته، وهو جهد يُلاحظ اتساعه في عدد من الدول الأفريقية خلال الفترة الأخيرة. ولا شك أن انتقال النقاش حول قضايا الفكر الإسلامي من إطار النخب المغلقة إلى المدارس والمساجد والمراكز الثقافية يمثل خطوة مهمة في طريق بناء وعي ديني أكثر اتصالًا بكتاب الله.
وقد تميزت هذه الندوة بعدة جوانب إيجابية لافتة؛ أولها أنها ناقشت قضية فكرية تمس واقع المسلمين، وهي كيفية فهم ليلة القدر، وهل التركيز ينبغي أن يكون على تحري الليلة ذاتها أم على الحدث الأعظم الذي وقع فيها وهو نزول القرآن الكريم. إن هذا الطرح يعيد توجيه الاهتمام من المظاهر الشكلية إلى جوهر الرسالة، وهو أمر ينسجم مع الدعوة القرآنية المتكررة إلى التدبر والعمل بالكتاب.
كما أن الحوار الذي دار خلال الندوة بين العلماء والدعاة المشاركين كشف عن إدراك متزايد لدى كثير من المسلمين لأهمية إعادة قراءة المفاهيم الدينية في ضوء القرآن الكريم، بعيدًا عن المبالغات التي قد تُبعد الناس عن المقصد الأساسي للدين. فليلة القدر إنما اكتسبت مكانتها من نزول القرآن فيها، والقرآن ليس حدثًا تاريخيًا مضى وانتهى، بل رسالة حية باقية تهدي الناس في كل زمان.
ومن الجوانب المهمة كذلك أن الندوة عُقدت بلغة الهوسا، وهي من اللغات المحلية المنتشرة في غرب أفريقيا، مما يدل على أن الخطاب القرآني حين يُقدَّم بلغة يفهمها الناس يصبح أكثر قدرة على التأثير والوصول إلى العقول والقلوب. فالدعوة إلى القرآن لا ينبغي أن تبقى حبيسة لغة أو ثقافة بعينها، بل يجب أن تصل إلى الناس جميعًا بلغاتهم وأساليبهم.
إن مثل هذه اللقاءات الفكرية تمثل خطوة على طريق إحياء العلاقة الحقيقية بين المسلمين وكتاب ربهم، تلك العلاقة التي تقوم على الفهم والتدبر والعمل، لا على الاكتفاء بالمظاهر أو الموروثات التي قد تُبعد الإنسان عن جوهر الرسالة.
وفي النهاية، فإن أي جهد يسعى إلى إعادة توجيه المسلمين نحو القرآن باعتباره مصدر الهداية الأول يستحق التقدير والمتابعة، لأن نهضة الأمة لن تتحقق إلا بعودة واعية إلى كتاب الله، قراءةً وفهمًا وتطبيقًا في واقع الحياة.
.jpg)