مارتن السومري يعيد تقديم التراث العراقي بروح عصرية ويكسب رهانات التجديد
يواصل الفنان مارتن السومري ترسيخ حضوره في المشهد الموسيقي العربي من خلال مشروع فني قائم على المزج الذكي بين أصالة التراث العراقي وروح الموسيقى الحديثة، في تجربة تعكس وعياً فنياً واضحاً وقدرة على إعادة تقديم الموروث بأساليب تواكب ذائقة الجمهور المعاصر.
ويعتمد السومري في أعماله على توظيف المقامات الشرقية التي تُعد أحد أبرز ملامح الهوية الموسيقية العراقية، حيث يحرص على الحفاظ على روحها وجمالياتها، مع إدخال لمسات توزيع موسيقي حديثة تضفي على الأغاني طابعاً متجدداً يقترب من الجمهور، خاصة فئة الشباب الباحثة عن موسيقى تجمع بين العمق والبساطة في آن واحد.
هذا التوجه لا يقتصر فقط على الشكل الموسيقي، بل يمتد إلى الرؤية الفنية الشاملة التي يتبناها السومري، إذ يسعى إلى تقديم محتوى يحافظ على الجذور الثقافية، وفي الوقت نفسه يواكب التطور العالمي في صناعة الموسيقى، سواء من حيث التقنيات المستخدمة في التسجيل أو أساليب التوزيع والإخراج الفني.
وقد نجح هذا الأسلوب في منح أعماله انتشاراً ملحوظاً، حيث لاقت أغانيه تفاعلاً إيجابياً من جمهور متنوع داخل العالم العربي وخارجه، وهو ما يعكس قدرة هذا النمط الموسيقي على تجاوز الحدود الجغرافية والوصول إلى مستمعين من خلفيات ثقافية مختلفة، دون أن يفقد خصوصيته وهويته.
ويؤكد مراقبون أن تجربة مارتن السومري تمثل نموذجاً ناجحاً لكيفية تحقيق التوازن بين الأصالة والتجديد، في وقت تواجه فيه الموسيقى التراثية تحديات كبيرة تتعلق بقدرتها على البقاء والاستمرار في ظل هيمنة الأنماط الحديثة. إلا أن السومري استطاع أن يثبت أن الحفاظ على الهوية لا يتعارض مع الابتكار، بل يمكن أن يكون دافعاً لتقديم أعمال أكثر عمقاً وتأثيراً.
كما يعكس هذا النهج إدراكاً لأهمية تطوير الخطاب الموسيقي العربي بما يتناسب مع التحولات المتسارعة في الذائقة الفنية، خاصة في ظل الانفتاح الكبير على الثقافات المختلفة عبر المنصات الرقمية، وهو ما يفرض على الفنانين البحث عن صيغ جديدة تضمن لهم الاستمرارية دون التفريط في ملامحهم الأصيلة.
ويبدو أن السومري يدرك جيداً هذه المعادلة، حيث يعمل باستمرار على تطوير أدواته الفنية، سواء من خلال التعاون مع موزعين موسيقيين يمتلكون رؤية حديثة، أو عبر التجريب في أشكال موسيقية مختلفة، مع الحفاظ على الخط الأساسي الذي يميز تجربته.
في المحصلة، يقدم مارتن السومري نموذجاً لفنان يسعى إلى بناء مشروع متكامل، يقوم على احترام التراث والانفتاح على الحداثة، وهو ما يمنحه فرصة حقيقية للاستمرار والتأثير في ساحة موسيقية تتسم بالتنافس والتغير المستمر، ويضعه ضمن قائمة الأسماء التي تراهن على تقديم هوية موسيقية متجددة دون التفريط في جذورها.
