recent
أخبار ساخنة

الصحفى محمد معتز يكتب :في رحلة البحث عن الجوهر.. كيف نجد المعنى وسط غبار الحياة؟


 الصحفى محمد معتز يكتب :في رحلة البحث عن الجوهر.. كيف نجد المعنى وسط غبار الحياة؟

"إن الإنسان لا يبحث عن السعادة في حد ذاتها، بل يبحث عن سبب ليكون سعيداً."

بهذه العبارة يلخص فيكتور فرانكل، مؤسس مدرسة "العلاج بالمعنى"، جوهر الوجود الإنساني. فالحياة لا تمنحنا معناها جاهزًا، بل نصوغه نحن عبر ثلاث بوابات كبرى: ما ننجزه من عمل، ومن نحبهم بصدق، وكيف نواجه قدرًا لا يمكن تغييره.


الحب.. رؤية ما وراء الملامح


في فلسفة فرانكل، لا يُختزل الحب في عاطفة عابرة أو انفعال مؤقت. الحب هو القدرة على اختراق السطح لرؤية الجوهر، حين تحب شخصًا، لا ترى فقط ما هو كائن أمامك، بل ما يمكن أن يكون. الحب يمنح بصيرة تلتقط الإمكانات الكامنة، البذور التي لم تنبت بعد. إنه اكتشاف للكوامن، ورؤية للإمكان قبل تحققه.


لكن الأمر لا يتوقف عند الرؤية. المحب في تصور فرانكل  لا يكون مجرد شاهد، بل شريكًا في الخلق. حين تجعل إنسانًا يدرك ما يمكن أن يصبح عليه، فإنك تمنحه قوة الاقتراب من تلك الصورة. الحب هنا ليس شعورًا، بل فعل تمكين؛ مرآة يرى فيها الآخر نسخته الأجمل، فيسعى لبلوغها.


معنى المعاناة.. حين يتحول الألم إلى مسؤولية


لا أحد يختار الألم لكن حين يُفرض علينا قدر لا مفر منه -مثل مرض، فقد، محنة لا يمكن تغييرها- تظهر أعمق طاقات الإنسان: حرية اختيار موقفه مما لا يستطيع تغييره.


المقصود ليس أن الألم يختفي، ولا أن الجرح لا يؤلم. بل إن الألم حين يُدرج ضمن سياق أوسع، يتحول من عبث إلى مسؤولية.


يروي فرانكل قصة طبيب مسنّ فقد زوجته التي أحبها بشدة، وغرق في اكتئاب قاسٍ. لم يعظه، ولم يقل له اصبر. سأله فقط: ماذا لو أنك متّ أولًا واضطرت هي لتحمل هذا الفقد؟

أجاب الطبيب فورًا: كان ذلك سيكون فظيعًا بالنسبة لها.

هنا تغيّر موضع الألم. لم تعد المعاناة عقابًا، بل تضحية. لم يتغير الواقع، لكن الإطار تغيّر. وهنا يكمن الفرق بين الألم العبثي والألم ذي المعنى: الأول يسحق، والثاني يُحتمل.


المعنى غير المشروط.. حتى في أحلك الظروف


في معسكرات الاعتقال، حيث فقد فرانكل عائلته وحريته وكرامته وحتى مخطوطة كتابه، واجه السؤال الوجودي الأقصى، هل لحياتي الآن معنى؟

لاحظ أن أخطر ما يقتل الإنسان ليس الجوع ولا البرد، بل فقدان الإحساس بالغد. حين ينقطع الرابط بين الحاضر والمستقبل، ينهار الإنسان من الداخل. فالحياة في جوهرها حركة نحو الأمام، والإنسان لا يعيش فقط بما هو عليه، بل بما يتوقع أن يكون عليه.

لهذا لم يكن الناجون هم الأقوى جسدًا، بل الأكثر تمسكًا بهدف ينتظرهم: طفل، كتاب لم يُنجز، لقاء مؤجل، وعد لم يُستوفَ. المعنى لم يكن رفاهية نفسية، بل آلية بقاء.

أخطر وهم نعيشه اليوم أن الحياة لا تكون ذات معنى إلا إذا كانت مريحة أو ناجحة. لكن فرانكل يقلب المعادلة: للحياة معنى في كل الظروف، حتى أقساها. ليس لأن الألم جميل، بل لأن الإنسان يملك حرية داخلية لا يمكن سلبها: حرية اختيار موقفه.

حين جُرّد فرانكل من كل شيء ووجد قصاصة صلاة في جيب معطف قديم، لم يرَ معجزة، بل تذكيرًا: عليك أن تعيش ما تؤمن به. هنا تتبلور الفكرة المركزية، أن المعنى لا يُمنح من الخارج، بل يُنتزع من داخل الموقف نفسه.


الحياة التي يعتمد معناها على الصدفة سواء النجاة أو الهلاك، هي حياة هشة. أما المعنى الحقيقي، فيسكن داخل التجربة ذاتها، لا في نهايتها.


شجاعة التحول


حين نعجز عن تغيير واقعنا، يبقى أمامنا التحدي الأعمق، وهي تغيير أنفسنا، ثقافة السرعة والنجاح الفوري تجعلنا نظن أن الحزن خلل، وأن الألم ضعف. لكن الإنسان الذي يحمل معاناته بكرامة، ويمنحها معنى يتجاوز ظرفه، لا يعيش حياة ناقصة.


المعاناة ليست شرطًا للمعنى، لكن المعنى ممكن رغم المعاناة، ما دامت قدرًا لا مفر منه، لسنا دائمًا أحرارًا في اختيار ما يحدث لنا. لكننا أحرار  في اختيار كيف نستجيب له.


وفي النهاية، لا يُقاس الإنسان بما امتلك، بل بما احتمله دون أن يفقد إنسانيته، الحياة لا تعدنا بالسعادة، لكنها تمنحنا دائمًا فرصة لأن نكون جديرين بها.

google-playkhamsatmostaqltradent