ليلة القدر… بين تعظيم الحدث وإحياء الرسالة
توقّف المفكر الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله المعنون “ليلة القدر بين التضليل والتبجيل” عند قضية بالغة الأهمية، تمس جوهر علاقتنا بالقرآن الكريم، لا مجرد مناسبة زمنية من مناسبات العام.
لقد ذكّرنا بأن ليلة القدر لم تُشرَّف لذاتها، وإنما شُرّفت بالقرآن الذي أُنزل فيها، وبالنور الذي أضاء بها طريق البشرية. فالحدث العظيم الذي وقع فيها هو نزول كتاب الله، ذلك الكتاب الذي جاء هداية ورحمة وميزانًا للحق.
غير أن الإشكالية التي أشار إليها تكمن في تحوّل الوعي الجمعي عبر القرون من تعظيم الحدث إلى تعظيم الظرف، ومن التفاعل مع القرآن إلى الانشغال بتحرّي الليلة. فأصبح كثير من المسلمين يترقبون ليلة مخصوصة كل عام، بينما يغيب عنهم أن القرآن الذي نزل فيها باقٍ بين أيديهم، يدعوهم كل يوم إلى الهداية والعمل والإصلاح.
إن القرآن حين قال:
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}
ربط الليلة بالإنزال، وجعل قيمتها متولدة من الرسالة لا من الزمن المجرد. فالليلة عظيمة لأنها شهدت نزول المنهج، ولأنها ارتبطت بتقدير جديد لمسار الإنسان على الأرض.
من هنا، فإن إعادة الاعتبار للقرآن بوصفه الحدث المستمر في حياة الأمة، هو جوهر المعالجة. فليلة القدر واقعة مضت بوقتها التاريخي، أما القرآن فهو حاضر دائم، يتفاعل مع العقول والقلوب إلى يوم القيامة.
إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى أن تنتقل من الاحتفاء بالمناسبة إلى إحياء الرسالة، ومن انتظار ليلة مضاعفة الأجر إلى الالتزام الدائم بمنهج الله في واقعها، عملاً بقوله تعالى:
{اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ}.
ليس المطلوب أن يُلغى تعظيم ليلة مباركة، ولكن المطلوب أن يبقى التعظيم في موضعه الصحيح، وأن يكون القرآن هو مركز الاهتمام، فهو النور الذي أضاء تلك الليلة، وهو النور الذي يجب أن يضيء حياتنا كلها.
إن كل دعوة صادقة تعيد الأمة إلى كتاب ربها، وتحرر العقول من أسر التقليد والغفلة، تمثل خطوة على طريق الإصلاح الحقيقي. فالقرآن هو القادر على توحيد القلوب، وردم هوة الاختلاف، وإعادة بناء الوعي على أساس من الهداية والعلم.
فلنجعل من ليلة القدر تذكرة بالقرآن، لا بديلاً عنه،
ومن نزوله نقطة انطلاق دائمة نحو فهمه والعمل به،
حتى يكون النور الذي أنزل فيها نورًا حيًا في حياتنا.
أحمد شعبان محمد
