recent
أخبار ساخنة

الصحفى محمد معتز يكتب المستقبل كطوق نجاة.. لماذا يحتاج الإنسان إلى "الغد" ليبقى حيًا؟

الصحفى محمد معتز يكتب 
 المستقبل كطوق نجاة.. لماذا يحتاج الإنسان إلى "الغد" ليبقى حيًا؟


في معسكرات الاعتقال النازية، لم يكن الموت دائمًا نتيجة مباشرة لانهيار الجسد، بل كان يبدأ أحيانًا بانهيارٍ أقل وضوحًا وأكثر خطورة ، انهيار الإحساس بالمستقبل. لاحظ الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل، الذي عاش تلك التجربة بنفسه، نمطًا متكررًا بين السجناء. لم يكن الأمر يتعلق دائمًا بالجوع أو المرض، بل بلحظة داخلية حاسمة- لحظة يفقد فيها السجين إيمانه بأن هناك "غدًا" ينتظره.


في تلك اللحظة، لم يعد بعض السجناء يقاومون. كانوا يرفضون النهوض، أو العناية بأنفسهم، أو حتى الاستجابة لمحاولات إنقاذهم. لم يكن جسدهم قد توقف بعد، لكن الرابط النفسي الذي يشدهم إلى الحياة كان قد انقطع.


كتب فرانكل أن السجين الذي يفقد إيمانه بالمستقبل، يفقد معه القوة الداخلية التي تمكّنه من الاستمرار، ويصبح أكثر عرضة للانهيار الجسدي والمرض. لم يكن هذا توصيفًا فلسفيًا، بل ملاحظة واقعية متكررة في بيئة كانت تختبر الحدود القصوى لقدرة الإنسان على البقاء.


لاحقًا وجدت هذه الملاحظة صدى في مجال علمي حديث يُعرف باسم "علم المناعة النفسي العصبي" (Psychoneuroimmunology)، الذي يدرس العلاقة بين الحالة النفسية ووظائف الجهاز المناعي.


 تشير الأبحاث إلى أن فقدان الأمل وغياب الإحساس بالمعنى يرتبطان بارتفاع مستويات هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول، ما يضعف الاستجابة المناعية ويجعل الجسم أكثر عرضة للانهيار.

الدماغ البشري ليس مصممًا فقط للاستجابة للحاضر، بل للعمل باتجاه المستقبل. تلعب مناطق مثل القشرة الجبهية الأمامية دورًا محوريًا في التخطيط والتوقع، وهي مرتبطة مباشرة بالدافعية والاستمرار. عندما يختفي هذا الأفق الزمني - عندما لا يرى الإنسان هدفًا أو نهاية لمعاناته- تتراجع هذه الأنظمة تدريجيًا، ويصبح الحفاظ على التماسك النفسي أكثر صعوبة.


زنزانة الانتظار..


وصف فرانكل حالة السجناء بأنها "وجود مؤقت مجهول الأمد". لم تكن المعاناة وحدها هي العامل الأكثر تدميرًا، بل غياب نقطة نهاية يمكن تصورها. الإنسان قادر على تحمل قدر كبير من الألم إذا كان يعتقد أن له نهاية. أما المعاناة المفتوحة بلا إطار زمني، فهي تخلق حالة من "الشلل النفسي"، حيث يفقد الجهد معناه، ويصبح الاستمرار نفسه موضع تساؤل.

يُعرف هذا النمط في علم النفس بمفهوم "العجز المكتسب"، حيث يتوقف الإنسان عن المقاومة ليس بسبب ضعف، بل لأن جهازه العصبي تعلّم أن جهده لن يغير النتيجة. في هذه الحالة، لا ينهار الإنسان جسديًا أولًا، بل نفسيًا- ثم يتبعه الجسد.


لماذا نجا البعض؟


كشفت ملاحظات فرانكل أن الناجين لم يكونوا بالضرورة الأقوى جسديًا، بل كانوا أولئك الذين احتفظوا بشيء ينتظرهم. أحيانًا كان هذا الشيء شخصًا -طفلًا، أو شريكًا - وأحيانًا كان مشروعًا غير مكتمل، أو حتى فكرة عن حياة لم تنتهِ بعد.

هذا الارتباط بالمستقبل منح معاناتهم سياقًا، والسياق منحها قابلية للتحمل.

من هذه التجربة، طوّر فرانكل منهجًا علاجيًا عُرف باسم "العلاج بالمعنى"، مؤكدًا أن الحاجة الأساسية للإنسان ليست فقط تجنب الألم، بل إيجاد معنى يبرر الاستمرار. المعنى، في هذا السياق، ليس فكرة مجردة، بل آلية نفسية تنظّم العلاقة بين الإنسان ومستقبله.


المستقبل كشرط للبقاء..


المستقبل ليس مجرد زمن قادم، بل عنصر نفسي نشط. إنه الإطار الذي يمنح الحاضر اتجاهه، ويمنح المعاناة حدودها. عندما يحتفظ الإنسان بصورة عن "غد" ممكن -مهما كان بسيطًا- فإنه يحتفظ بأحد أهم شروط بقائه النفسي.

ربما لهذا السبب لم تكن النجاة دائمًا مسألة جسد فقط، بل مسألة معنى.


فالإنسان لا يعيش بما هو عليه الآن فحسب، بل بما يعتقد أنه يمكن أن يصبح عليه. وفي كثير من الأحيان، يكون هذا الإحساس بأن هناك شيئًا ينتظر، هو ما يصنع الفرق بين الاستمرار والانهيار.


حين يجد الإنسان سببًا لينتظر، يجد في داخله- حتى في أقسى الظروف- سببًا ليبقى حيًا.

google-playkhamsatmostaqltradent