تشارلز ريفرز المحاسب الذي مهّد للاحتلال.. كيف استخدم الديون لإخضاع مالية مصر؟
في تاريخ الإمبراطوريات، لم يكن الغزو دائمًا يبدأ بالمدافع. أحيانًا كان يبدأ بدفاتر الحسابات، السير تشارلز ريفرز ويلسون لم يكن قائدًا عسكريًا، ولم يقُد أسطولًا إلى شواطئ الإسكندرية، لكنه كان جزءًا من منظومة أثبتت أن السيطرة المالية يمكن أن تسبق السيطرة العسكرية، بل وتمهّد لها.
وصل ويلسون إلى مصر في لحظة ضعف مالي غير مسبوقة. خلال حكم الخديوي إسماعيل (1863–1879)، تضاعف الدين الخارجي لمصر من نحو 3 ملايين جنيه إسترليني إلى ما يزيد على 90 مليونًا، نتيجة مشروعات تحديث واسعة شملت السكك الحديدية، والقنوات، والجيش، وإعادة بناء القاهرة على الطراز الأوروبي. لم تكن هذه الديون مجرد أرقام في دفاتر البنوك، بل تحولت تدريجيًا إلى أداة ضغط سياسي.
من أزمة ديون إلى نظام وصاية مالية
في عام 1875، اضطرت مصر إلى بيع حصتها في شركة قناة السويس لبريطانيا مقابل نحو 4 ملايين جنيه إسترليني، في خطوة كشفت عمق الأزمة المالية. وبعد عام واحد فقط، وفي 1876، أُنشئ "صندوق الدين العام" (Caisse de la Dette Publique)، وهو هيئة مالية دولية خاضعة لرقابة ممثلين أوروبيين، تولت الإشراف المباشر على إيرادات الدولة المصرية لضمان سداد الديون للدائنين.
كان هذا التطور نقطة تحول تاريخية. للمرة الأولى، لم تعد الدولة المصرية تملك السيطرة الكاملة على مواردها المالية. أصبحت الإيرادات تُدار وفق أولويات الدائنين، لا وفق احتياجات الدولة.
في هذا السياق، برز دور تشارلز ريفرز ويلسون، المسؤول البارز في الخزانة البريطانية، الذي أُرسل إلى مصر ضمن منظومة الرقابة المالية الأوروبية، مستفيدًا من خبرته الطويلة في إدارة الدين العام البريطاني.
وزير مالية أجنبي في قلب الدولة المصرية
في عام 1878، وتحت ضغط أوروبي متزايد، شُكّلت حكومة جديدة برئاسة نوبار باشا، في إطار ما عُرف بنظام "الرقابة الثنائية" (Dual Control)، الذي منح بريطانيا وفرنسا إشرافًا مباشرًا على مالية مصر. في تلك الحكومة، عُيّن ريفرز ويلسون وزيرًا للمالية، بينما تولى ممثل فرنسي وزارة الأشغال.
لم يكن هذا التعيين مجرد منصب إداري. لقد كان تحولًا جوهريًا في مفهوم السيادة. للمرة الأولى، أصبح أحد أهم المناصب السيادية في الدولة المصرية بيد مسؤول أوروبي يمثل مصالح الدائنين.
كانت مهمة ويلسون واضحة، إعادة هيكلة مالية الدولة لضمان سداد الديون. شملت الإجراءات تقليص الإنفاق الحكومي، وإعادة تنظيم الإيرادات، وتوجيه الموارد نحو خدمة الدين الخارجي. لكن هذه السياسات لم تكن مجرد إصلاحات تقنية، بل كان لها أثر اجتماعي وسياسي عميق، إذ أثارت استياءً واسعًا بين الضباط والموظفين، الذين رأوا فيها خضوعًا للإرادة الأوروبية.
من السيطرة المالية إلى الانفجار السياسي
لم يكن الغضب الشعبي والعسكري منفصلًا عن هذه السياسات. ففي عام 1879، تصاعد التوتر داخل الجيش المصري، واندلعت احتجاجات عسكرية وسياسية ضد النفوذ الأوروبي المتزايد. انتهت الأزمة بعزل الخديوي إسماعيل نفسه بضغط من بريطانيا وفرنسا، وتولية ابنه توفيق، الذي كان أكثر قبولًا لدى القوى الأوروبية.
بعد ذلك، استمرت الرقابة المالية الأوروبية عبر "لجنة التصفية" التي أُنشئت عام 1880 لإدارة الديون المصرية بشكل أكثر إحكامًا.
في هذه المرحلة، لم تعد الأزمة مالية فقط، بل أصبحت سياسية وسيادية. فقد أدت التدخلات الأوروبية إلى تقويض استقلال القرار المصري، وأسهمت في خلق مناخ من التوتر السياسي، بلغ ذروته في الثورة العرابية عام 1881، التي رفعت شعار إنهاء السيطرة الأجنبية.
ملف الأزمة.. ديون مصر في عهد "ريفرز ويلسون" (1876-1882)
أولا: نفجار الدين، ارتفع الدين العام من 3 مليون £ (بداية عهد إسماعيل) إلى أكثر من 90 مليون £ بحلول عام 1879.
ثانيا، ثمن القناة من خلال بيع حصة مصر في قناة السويس (176,602 سهم) لبريطانيا مقابل 4 مليون £ فقط (أقل من قيمة فوائد الديون السنوية حينها).
-صندوق الدين العام (1876)
أول هيئة دولية تفرض وصاية مالية، حيث خُصصت إيرادات (السكك الحديدية، الملاحات، والجمارك) لسداد الدائنين قبل إطعام الشعب.
وبعد عام واحد فقط، في 1882، تدخلت بريطانيا عسكريًا واحتلت مصر، معلنة بداية احتلال استمر رسميًا حتى عام 1952.
الديون كأداة للنفوذ الإمبراطوري
لم يكن ريفرز ويلسون قائد الاحتلال العسكري، لكنه كان جزءًا من المرحلة التي سبقت ذلك الاحتلال. المرحلة التي تحولت فيها الديون من التزام مالي إلى أداة نفوذ سياسي. لقد جسّد نموذجًا أوسع لما يسميه المؤرخون "الإمبريالية المالية"، حيث تُستخدم أدوات الاقتصاد لفرض السيطرة دون الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة- على الأقل في البداية.
من منظور بريطاني، كان ويلسون مسؤولًا ماليًا يسعى لإعادة الاستقرار إلى نظام مالي منهار. لكن من منظور تاريخي أوسع، كان دوره جزءًا من عملية نقل السيطرة على القرار المالي المصري إلى أيدي القوى الأوروبية.
الدرس الذي بقي
تُظهر تجربة مصر في أواخر القرن التاسع عشر أن فقدان السيطرة على الموارد المالية يمكن أن يكون مقدمة لفقدان السيطرة السياسية.
لم يبدأ الاحتلال البريطاني لمصر في 1882 بإنزال الجنود فقط، بل بدأ قبل ذلك بسنوات، عندما انتقلت إدارة الإيرادات والديون إلى أيدي خارجية.
في النهاية، لم تكن الدفاتر مجرد سجلات محاسبية. كانت خرائط نفوذ. وفي تلك اللحظة من التاريخ، كان المحاسب جزءًا من الطريق الذي سبق الجندي.
لم يحتل ريفرز ويلسون مصر بالجيش، لكنه كان أحد المسؤولين الذين وضعوا الأساس المالي للتدخل الأوروبي؛ الاحتلال العسكري جاء لاحقًا.
لكن السيطرة بدأت عندما أصبحت مالية الدولة تحت إدارة خارجية، في تاريخ الدول، أحيانًا لا يبدأ فقدان السيادة بالحرب، بل يبدأ بالديون.
