recent
أخبار ساخنة

الصحفى محمد معتز يكتب:حين يصبح الصمت لغة.. كيف يعالج الدماغ غياب الرد في العلاقات الحديثة؟

الصحفى محمد معتز يكتب:حين يصبح الصمت لغة.. كيف يعالج الدماغ غياب الرد في العلاقات الحديثة؟

في عالم يتسم بالسرعة والتسارع التكنولوجي، أصبح التواصل أسهل وأكثر انتشارًا عبر المنصات الرقمية والتي تعرض بوسائل التواصل الاجتماعي، ومع ذلك، برز سلوك جديد يثير تساؤلات نفسية واجتماعية متزايدة، هو “عدم الرد” على الرسائل الرقمية. ما كان يُنظر إليه سابقًا كتأخير عابر، بات اليوم ظاهرة لها تأثيرات واضحة على العلاقات الإنسانية وعلى الإحساس بالأمان النفسي.

ومع اعتماد تطبيقات المراسلة كوسيلة أساسية للتواصل اليومي، لم يعد الصمت الرقمي حياديًا. بل أصبح يحمل دلالات تؤثر مباشرة في ديناميكيات العلاقات، ليس بالضرورة بسبب سوء نية أو تجاهل متعمد، وإنما بفعل بنية التواصل الرقمي نفسها، وبالطريقة التي يعالج بها الدماغ الإنساني الغياب المتكرر للإشارات الاجتماعية.

تشير الأبحاث في علم النفس الرقمي إلى أن الرسائل النصية لم تعد مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في بناء الروابط الاجتماعية. ولهذا، يُعالج عدم الرد المتكرر نفسيًا بوصفه انقطاعًا في التدفق الاجتماعي، حتى عندما لا يكون مقصودًا كتجاهل.

دراسات منشورة في مجلة Computers in Human Behavior توضّح أن الدماغ لا يتعامل مع هذا السلوك كحدث منفرد، بل كنمط متكرر. هذا النمط ينشّط حالة ترقّب ذهني مستمرة، ترتبط بارتفاع مستويات القلق والانشغال، خصوصًا داخل العلاقات التي اعتادت على إيقاع تواصل منتظم.

الصمت الرقمي وظهور مفهوم “الـGhosting”: 

في هذا السياق، تميز الأدبيات العلمية بين التأخير العابر في الرد وبين ما يُعرف بـ Ghosting، دراسة نوعية موسّعة أُجريت على 499 مشاركًا من فئة الشباب خلصت إلى تعريف تجريبي مبسّط لهذا السلوك، قائم على لغة المشاركين أنفسهم: “الـGhosting هو أن يتوقف شخص فجأة عن التواصل مع شخص آخر أو يتجاهله، دون تقديم أي تفسير.”
أهمية هذا التعريف لا تكمن فقط في بساطته، بل في كونه يزيل الغموض المفاهيمي الذي صاحب المصطلح لسنوات. فالدراسة أظهرت أن الأذى النفسي لا ينشأ من الصمت وحده، بل من غياب التفسير، وهو ما اعتبره أكثر من نصف المشاركين السمة الجوهرية التي تميّز هذا السلوك عن مجرد الانشغال أو الفتور المؤقت.


من منظور نفسي، يوفر الرفض الصريح نهاية واضحة للتفاعل، حتى وإن كانت مؤلمة. أما عدم الرد، فيترك العلاقة في حالة غموض مفتوح، تُبقي الفرد في وضع انتظار مستمر.
هذا الغموض يحفّز ما يُعرف بـ الاجترار الذهني (Rumination)، حيث يعاد تحليل الموقف مرارًا في محاولة لملء الفراغ التواصلي. وتؤكد الأبحاث أن هذا النوع من الغموض يولّد توترًا عصبيًا أعلى من الاستجابات السلبية الواضحة، لأنه يمنع الدماغ من الانتقال إلى مرحلة التكيّف.

الدماغ لا يهدأ لأنه “فهم” أسباب الصمت معرفيًا، بل يهدأ فقط عندما يشعر بالأمان أو الوضوح.


أحد الاكتشافات اللافتة في الدراسات الحديثة هو أن الـGhosting نادرًا ما يُختبر كفعل واحد مفاجئ فقط. بل يظهر غالبًا كعملية تدريجية، تأخير متعمّد في الرد → ردود مقتضبة → اختفاء كامل.

هذا التدرّج هو ما يجعل الدماغ ينتقل من تفسير الصمت كحدث ظرفي إلى قراءته كنمط إقصائي. 

دور التوقعات في تضخيم الأثر
تكشف الدراسات أن شدة التأثر بعدم الرد ترتبط بالتوقعات السابقة أكثر من قوة العلاقة نفسها. فالأشخاص المعتادون على ردود سريعة أو منتظمة يميلون إلى تفسير أي تأخير مفاجئ كإشارة سلبية.

وتتدخل التكنولوجيا هنا كمُضخِّم للسلوك؛ فمؤشرات مثل “تمت القراءة” أو “آخر ظهور” تعزّز الحساسية تجاه التوقيت، وتخلق شعورًا زائفًا بأن الرد يجب أن يكون فوريًا دائمًا، ما يربط الصمت بقيمة الفرد الاجتماعية بدل اعتباره ظرفًا عابرًا.

اختلاف القراءة باختلاف الثقافة
ثقافيًا، لا يُستقبل الصمت الرقمي بالطريقة نفسها في كل المجتمعات. ففي المجتمعات الجماعية، مثل الشرق الأوسط، يُنظر إلى الصمت التواصلي بوصفه إخلالًا بالانسجام الاجتماعي، ما يضاعف أثره النفسي.

أما في المجتمعات الفردية، فقد يُنظر إليه كخيار شخصي أو كحق في الخصوصية، لكنه يظل مؤثرًا نفسيًا، خاصة لدى الأجيال الشابة المرتبطة بالتواصل الرقمي بشكل كثيف.

دراسات مقارنة تشير إلى أن قبول هذا السلوك يختلف ثقافيًا، لكن أثره النفسي السلبي لا يختفي تمامًا في أي سياق.

متى يصبح الصمت “معلومة”؟

من منظور علمي وتوعوي، يصبح التمييز ضروريًا بين حالتين:
حدث عابر: تأخير ظرفي لا يحمل دلالة كافية.
نمط متكرر: سلوك مستمر يُعد مؤشرًا على حدود العلاقة ووظيفتها.

عدم الرد الرقمي ليس دائمًا رفضًا، لكنه أبدًا ليس بلا أثر. الوعي العلمي لا يدعو إلى افتراض سوء النية، بل إلى قراءة الأنماط ببرود موضوعي.


في عصر الضجيج الرقمي، يكمن النضج الحقيقي في فهم متى يكون الصمت مجرد انشغال، ومتى يتحوّل إلى إشارة لإعادة ضبط المسافة وحماية السلام الداخلي.
وربما يكون أهم ما تعلّمنا إياه هذه الظاهرة، أن رفقنا بذواتنا يبدأ حين نتوقف عن العيش في غرفة انتظار، لا يملك مفتاحها إلا نحن.
google-playkhamsatmostaqltradent