الصحفى محمد معتز يكتب
:مؤتمر برلين 1878.. كيف قررت أوروبا مصير مصر وشمال أفريقيا خلف الأبواب المغلقة؟
مؤتمر برلين 1878.. اللحظة التي تقرر فيها مصير مصر داخل غرفة أوروبية مغلقة
-كيف تقاسمت بريطانيا وفرنسا النفوذ مقابل الصمت؟
..في صيف عام 1878، اجتمعت القوى الأوروبية الكبرى في العاصمة الألمانية برلين، رسميًا لمراجعة نتائج الحرب الروسية-العثمانية، لكن عمليًا لإعادة توزيع النفوذ الإمبراطوري في الشرق. لم يكن مؤتمر برلين مجرد تسوية دبلوماسية عابرة، بل كان نقطة التحول الفاصلة التي انتقلت فيها مصر وشمال أفريقيا من دائرة السيادة الاسمية إلى دائرة السيطرة الأوروبية المباشرة.
في تلك القاعة المغلقة، لم تكن الخرائط تُراجع فقط بل كانت تُعاد كتابتها بالقلم والسيف معاً.
الخديوي إسماعيل بين الحلم والواقع
كان الخديوي إسماعيل، الذي جلس على عرش مصر منذ 1863، يحلم بتحويل البلاد إلى "قطعة من أوروبا". أنشأ القنوات المائية، ومد السكك الحديدية، وبنى المسارح، ووسع الرقعة الأفريقية لمصر. لكن هذا الحلم كان يُبنى على ديون متراكمة، وقروض بفوائد ربوية، وطموحات إمبراطورية اصطدمت بجدار القوى الأوروبية الاستعمارية الصلب.
لم يكن إسماعيل يعلم، وهو يفتتح قناة السويس بحفل أسطوري عام 1869، أن القناة نفسها ستصبح العنوان الأبرز في صك اتهامه، وأداة الضغط الأوروبية الأقوى لاحقاً.
مؤتمر لإنقاذ الدولة العثمانية… أم لإدارة انهيارها؟
جاء المؤتمر بعد انتصار روسيا الساحق على الدولة العثمانية وتوقيع معاهدة سان ستيفانو في مارس 1878، التي منحت روسيا نفوذًا واسعًا في البلقان. هذا التوسع أقلق بريطانيا بشكل خاص، لأن أي سيطرة روسية على شرق المتوسط كانت تهدد الطريق البحري إلى الهند، الشريان الحيوي للإمبراطورية البريطانية.
لهذا السبب، دعا رئيس الوزراء البريطاني بنيامين دزرائيلي إلى عقد مؤتمر دولي لإعادة النظر في المعاهدة. ترأس المؤتمر المستشار الألماني أوتو فون بسمارك، الذي قدم نفسه كـ"وسيط محايد"، لكنه في الواقع كان يدير توازنًا دقيقًا بين القوى الأوروبية الكبرى، حريصاً على إضعاف "رابطة الأباطرة الثلاثة" (روسيا-
ألمانيا-النمسا) وتعزيز مكانة بلاده كحكم في النزاعات الدولية.
اتفاقية قبرص: الصفقة التي سبقت المؤتمر
قبل افتتاح المؤتمر رسميًا، كانت بريطانيا قد حصلت بالفعل على أول مكاسبها. ففي 4 يونيو 1878، وقعت اتفاقية سرية مع السلطان عبد الحميد الثاني، حصلت بموجبها على جزيرة قبرص مقابل تعهد بحماية الدولة العثمانية من روسيا. لكن بريطانيا لم تكتفِ بالجزيرة كورقة ضغط، بل استخدمتها كبوابة استراتيجية لمراقبة الشرق الأدنى، وكبطاقة تفاوض إضافية لفرض شروطها على العثمانيين الضعفاء.
كانت هذه الاتفاقية، التي كُشف عنها لاحقًا أثناء المؤتمر، دليلًا قاطعًا على أن نتائج المؤتمر لم تكن تُصنع في برلين، بل سبقت وصول الوفود إليه بأسابيع.
يكتب ويلفريد سكّاون بلنت، شاهد العيان على تلك المرحلة، أن اختيار سير ريفرز ويلسون ضمن لجنة التحقيق المالية في مصر كان جزءًا من هذا التوسع البريطاني التدريجي، وأن تعيينه جاء مباشرة ضمن التحركات الدبلوماسية البريطانية المرتبطة بالمؤتمر. كان الرجل يمثل عقلية المستعمر الذي يقرأ الأرقام قبل أن يحرك الجنود.
الفضيحة التي كشفت اللعبة
في بداية المؤتمر، طُلب من كل وفد أن يؤكد رسميًا عدم وجود اتفاقيات سرية تؤثر على قراراته. وافقت بريطانيا على هذا الإعلان بحماسة، وابتسم دزرائيلي ابتسامته الواثقة.
لكن في يوليو 1878، نشرت صحيفة "جلوب" اللندنية نص اتفاقية قبرص السرية، مسربة من مترجم يدعى "مارفن"، مما أدى إلى أزمة دبلوماسية حادة. شعر المندوبون الأوروبيون بالخداع، وهددت فرنسا وروسيا بالانسحاب من المؤتمر. كان الموقف في غاية الحرج، وكاد المؤتمر أن ينهار لولا تدخل بسمارك.
وفقًا لرواية بلنت، لم يتم حل الأزمة عبر التراجع البريطاني، بل عبر صفقة جديدة أكثر جرأة، وأكثر دموية في نتائجها.
الصفقة الحقيقية.. تونس لفرنسا… ومصر تحت السيطرة المالية المشتركة
لإنقاذ المؤتمر، تم التوصل إلى تفاهم سري بين بريطانيا وفرنسا، نص على:
· قبول فرنسا بسيطرة بريطانيا على قبرص
· السماح لفرنسا باحتلال تونس في أول فرصة مناسبة (وهو ما تم عام 1881)
· مشاركة فرنسا المتساوية في الإشراف المالي على مصر
هذا الترتيب لم يكن تفصيلًا ثانويًا في هوامش المؤتمر، كان بداية السيطرة الأوروبية المنظمة على الدولة المصرية.
أخطر نتائج هذا الاتفاق لم يظهر فورًا، لكنه ظهر بسرعة في القاهرة.
كتب بلنت أن أول نتيجة مباشرة كانت إرسال تعليمات من برلين إلى السير ريفرز ويلسون، الذي كان يقود التحقيق المالي في مصر، تأمره بأن يمنح فرنسا مساواة كاملة مع بريطانيا في جميع الترتيبات المالية.
"أُرسل تلغراف إلى ويلسون في الإسكندرية يأمره بأن تحصل فرنسا على مساواة كاملة مع إنجلترا في جميع التعيينات المالية."
هذا القرار أسس لما أصبح لاحقًا نظام السيطرة الثنائية البريطانية-الفرنسية على مالية مصر. هو النظام الذي أدى مباشرة إلى التدخل السياسي ثم الاحتلال العسكري.
أدى هذا مباشرة إلى إنشاء نظام "الرقابة الثنائية" البريطانية-الفرنسية على مالية مصر، والذي وضع إيرادات الدولة تحت إشراف أوروبي مباشر. منذ تلك اللحظة، تحولت ميزانية مصر من ورقة سيادية إلى رهينة في خزائن الدائنين الأوروبيين، وأصبح الخديوي إسماعيل مجرد موظف يتلقى الأوامر من لجنة لا تمثل شعبه، بل تمثل مصارف لندن وباريس.
من السيطرة المالية إلى الاحتلال العسكري
لم يكن الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 حدثًا مفاجئًا أو انقلابًا لحظيًا. بل كان نتيجة عملية تدريجية بدأت قبل ذلك بسنوات، وكان مؤتمر برلين محطتها الأهم.
بدأت العملية بـ:
· تضخم الديون المصرية في سبعينيات القرن التاسع عشر، نتيجة القروض الربوية والمشروعات الطموحة
· إنشاء صندوق الدين العام عام 1876، الذي وضع إيرادات مصر تحت تصرف الدائنين
· فرض الرقابة المالية الأوروبية بعد مؤتمر برلين 1878، والتي جعلت الخديوي تحت الوصاية
· ثم التدخل العسكري عندما هددت الثورة العرابية هذا النظام المالي والسياسي
كما يوضح المؤرخ الاقتصادي إريك توسان، لم يكن الدين مجرد التزام مالي عابر، بل كان حبلاً يُشد به الخديوي حتى سقط، ثم أصبح سوطاً يُجلد به الشعب حتى يستسلم. فالدين كان الأداة المثالية لتحويل النفوذ المالي إلى سيطرة سياسية، ثم إلى احتلال عسكري مباشر.
مؤتمر برلين كنقطة انطلاق للتوسع الاستعماري
لم تقتصر نتائج المؤتمر على مصر وحدها.
فبعد ثلاث سنوات فقط:
· احتلت فرنسا تونس عام 1881
· احتلت بريطانيا مصر عام 1882
كانت هذه الأحداث جزءًا من نفس العملية التي بدأت في برلين: عملية نقل السيطرة على مناطق الدولة العثمانية إلى القوى الأوروبية، عبر آليات الديون والرقابة المالية، ثم الاحتلال العسكري المباشر عندما تتعثر آليات السيطرة الناعمة.
والأكثر دلالة، أن مؤتمر برلين 1878 كان بمثابة "بروفة" لمؤتمر برلين 1884-1885 الذي قسم أفريقيا بين القوى الاستعمارية. فما حدث في القاعة المغلقة عام 1878، تكرر على نطاق أوسع بعد سنوات.
لمؤتمر الذي قرر مصير مصر قبل الاحتلال بأربع سنوات
لم يكن مؤتمر برلين هو لحظة الاحتلال.
بل كان لحظة اتخاذ القرار.
الاحتلال العسكري عام 1882 كان مجرد التنفيذ.
أما التحول الحقيقي، فقد بدأ عندما وافقت القوى الأوروبية على إدارة مالية مصر كمسألة دولية، وليس كمسألة سيادية مصرية. منذ تلك اللحظة، أصبحت سيادة مصر مسألة تفاوض بين القوى الأوروبية، ولم تعد مسألة قرار مصري خالص.
يكمن الدرس الأكبر في أن الاستعمار لا يبدأ بالمدافع، بل يبدأ بورقة دين، وتقرير لجنة مالية، واتفاقية سرية في غرفة مغلقة. قبل أن يدخل الاحتلال البريطاني مصر عن طريق القنال، كان قد دخلها بالفعل عن طريق الدفاتر والحسابات.
المصادر
· Wilfrid Scawen Blunt: Secret History of the English Occupation of Egypt (1907)
https://archive.org/details/secrethistoryofe00blun
· British Foreign Office Archives – Cyprus Convention (1878)
· Eric Toussaint: Debt as an instrument of the colonial conquest of Egypt
https://www.cadtm.org/Debt-as-an-instrument-of-the-colonial-conquest-of-Egypt
· Encyclopaedia Britannica: Congress of Berlin
https://www.britannica.com/event/Congress-of-Berlin
