recent
أخبار ساخنة

من أين تأتي الحروب؟ بقلم الكاتب الصحفي محمد معتز صلاح الدين


 من أين تأتي الحروب؟

بقلم الكاتب الصحفي محمد معتز صلاح الدين 


حين يتحول الصراع الداخلي إلى سياسة خارجية، ليس السؤال الحقيقي هو لماذا تندلع الحروب بل لماذا نعجز عن رؤية جذورها؟

 الحروب لا تبدأ عند الحدود، ولا تُولد في غرف العمليات، ولا تُختَزل في صراع مصالح مجرد. الحروب، في جوهرها الأعمق، هي تصدير للصراع الداخلي. حين يعجز الإنسان عن مواجهة عنفه وكراهيته في الداخل، يبحث عن عدو في الخارج. وحين تفشل المجتمعات في فهم هذا، تتحول السياسة إلى ساحة إسقاط جماعي.


في كل حرب كبرى تقريبًا، تظهر كلمتان بوصفهما مسلّمتين لا تُناقشان وهما الردع والتهديد الوجودي. كلمتان ثقيلتان، تُستخدمان بكثافة، لكن نادرًا ما يُفكَّك معناهما أو يُسأل، من يعرف التهديد؟ ومن يحدد متى يصبح الردع ضرورة أخلاقية؟


اللافت أن الخطابين لا يُطرحان بوصفهما رأيًا سياسيًا قابلًا للنقاش، بل كـحقيقة نهائية. ومن هنا تبدأ المشكلة.


 «التهديد الوجودي» دائما هي الكلمة التي تُسكت كل الأسئلة؛ حين يُوصَف خصم ما بأنه «تهديد وجودي»، يحدث شيء بالغ الخطورة إعلاميًا، تختفي النسَب؛ يُلغى التدرّج، ويُمحى الفرق بين الخطر والاختلاف. التهديد الوجودي لا يُناقَش، لا يُحتوى، ولا يُدار؛ التهديد الوجودي يُمحى. وهنا يصبح أي فعل مبرَّرًا، مستعجلًا، وخارج الحسابات الأخلاقية.

من غزة إلى أوكرانيا، ومن البحر الأحمر إلى التصعيد الأمريكي المتدرج حول إيران، يبدو العالم وكأنه يتحرك في دائرة واحدة صراع يُقدَّم باعتباره ضرورة أمنية، أو دفاعًا عن القيم، أو حماية للمصالح. لكن خلف هذا السرد الرسمي، يتكرّر نمط أعمق وهو عجز مزمن عن مواجهة الصراع في الداخل، فيُصدر إلى الخارج.


الحروب لا تبدأ عند أول صاروخ، بل عند لحظة نفسية أقدم، حين يصبح العنف أسهل من الفهم، والقوة بديلًا عن الوعي، والعدو الخارجي وسيلة للهروب من التناقض الداخلي.


الدول مثل الأفراد، قد تتحرك بحزم من دون كراهية، وقد تنزلق إلى العنف وهي تظن نفسها عقلانية. الفارق ليس في شدة القرار، بل في دوافعه العميقة. هناك فرق بين قرار يشبه فعل الجرّاح الذي يكون دقيقًا، محدودًا، بلا حقد، وبين قرار يصدر عن خوف، أو شعور بالتهديد الوجودي، أو حاجة دائمة لإثبات السيطرة.


في الحالة الثانية، لا يكون الهدف إنهاء الصراع، بل إدارته، أو حتى إعادة إنتاجه بصيغة جديدة. وهنا تصبح السياسة الخارجية مرآة لما لم يُحَلّ داخليًا.


في غزة وما فعله الكيان الصهيوني يُقدَّم القتل باعتباره دفاعًا، أما في أوكرانيا، تقدم الحرب باعتبارها ضرورة جيوسياسية. وفي الحالتين، يجري اختزال الإنسان إلى “تفصيل جانبي”، ويُطلب من العالم أن يختار بين روايتين جاهزتين.


لكن خلف هذا كله، يظهر السؤال الذي لا يُطرح علنًا، هل الهدف هو إنهاء العنف أم تثبيته ضمن توازنات جديدة؟ حين تُدار الحروب من دون أفق أخلاقي حقيقي، ومن دون اعتراف بجذورها النفسية والسياسية، تتحول إلى نار تُطفأ بنار، وفيضان يُعالَج بمزيد من الماء.


الحديث الأميركي المتصاعد عن إيران لا يأتي في فراغ؛ هو جزء من مناخ دولي يرى في القوة الحل الأول لا الأخير، وفي الردع الدائم بديلًا عن الفهم المعقّد. إيران تُقدَّم اليوم بوصفها “الخطر القادم”، تمامًا كما قُدِّمت دول أخرى قبلها في لحظات مختلفة من التاريخ.

في الخطاب الأميركي والإسرائيلي حول إيران، يظهر النموذج بوضوح، دولة تُقدم بوصفها تهديدًا وجوديًا، نوايا تُقرأ دائمًا في أسوأ صورها، وأي دعوة للتفكيك أو التهدئة تُصوَّر كخطر. السؤال هنا ليس الدفاع عن سياسات إيران، ولا تبرئتها من أخطائها الإقليمية.


السؤال الأهم هل يُراد ردع إيران أم تثبيت صورتها كعدو دائم وتحويلها إلى مسرح حرب جديد؟ لأن التجربة تقول إن الحروب التي تُخاض بلا وعي، لا تُنهي أنظمة، بل تُنتج فوضى أطول عمرًا.


الردع الحقيقي يفترض أن يكون به وضوح الأهداف، تحديد السقوف، وإمكانية التراجع. أما حين يتحول إلى خطاب مفتوح بلا نهاية، فهو لم يعد ردعًا، بل تهيئة نفسية لحرب محتملة.

أخطر ما في الحروب الحديثة ليس السلاح، بل المخدّر الجماعي الذي يصاحبه الشعور الأخلاقي الزائف، الانقسام الحاد بين “نحن” و“هم”، والتصفيق لكل قرار باعتباره شجاعة.

هذه مشاعر دنيوية قصيرة المدى، تشبه النشوة، التي ترفعك لحظة، ثم تتركك أكثر فراغًا. في المقابل، الوعي مؤلم، لأنه يجبرك على رؤية التعقيد، وعلى الاعتراف بأن الشر ليس حكرًا على “الآخر”، وأن العنف غالبًا نتيجة فشل في الفهم قبل أن يكون قرارًا سياسيًا.


لماذا تتكرر الحروب؟ لأن العالم لم يتعلّم بعد أن السلام ليس اتفاقًا فقط، ولا الحرب قرارًا تقنيًا، ولا القوة دليل وعي. الحروب تتكرر لأن الصراع الداخلي داخل الإنسان لم يُفكّك، ولأن الدول مثل الأفراد تفضّل إسقاط أزماتها على الخارج بدل مواجهتها في الداخل.

ما لم يتحول الوعي إلى جزء من صناعة القرار، وما لم يُنظر إلى الإنسان بوصفه غاية لا “أضرارًا جانبية”، ستظل الخرائط تتغير… لكن المنطق سيبقى هو نفسه والسؤال الذي سيلاحقنا دائمًا، كم حربًا أخرى نحتاج، قبل أن نفهم أن الطريق لم يكن هناك… بل هنا؟

google-playkhamsatmostaqltradent