كيف يحكم الغضب المكبوت حياتنا ويؤثر على علاقاتنا؟
بقلم: الصحفى محمد معتز
في عالم يتسارع فيه الضغوط النفسية، يبرز مفهوم "الغضب المكبوت" كقنبلة موقوتة داخل كل منا، تؤثر على سلوكياتنا دون أن ندري.
خلال قرائتي لأفكار الروحاني أنتوني دي ميلو في كتاباته عن "البصيرة والفهم"، يتكشف لنا كيف أن عدم مواجهة هذا الغضب يؤدي إلى "الإسقاط"، حيث ننسب مشاكلنا الداخلية إلى الآخرين، مما يعيق نمونا الشخصي والعلاقات الإنسانية.
في هذه المقالة، نستعرض هذه الآليات النفسية خطوة بخطوة، مع أمثلة حقيقية، لنفهم كيف يمكن للوعي أن يكون مفتاح التحرر.
الغضب المكبوت، هو البركان الخفي الذي يشكل سلوكياتنا
يُعرف الغضب المكبوت بأنه تلك المشاعر السلبية التي نكبتها في أعماقنا، غالبًا بسبب التربية أو الضغوط الاجتماعية، بدلاً من التعبير عنها أو معالجتها. وفقًا لدي ميلو، لا يختفي هذا الغضب، بل يتحول إلى أنماط سلوكية مدمرة مثل الاكتئاب أو الانسحاب. في إحدى القصص الواردة في كتاباته، يروي عن كاهن يشعر بالكسل المزمن، لكنه في الواقع يعاني من غضب دفين ناتج عن رسوب في امتحان، أدى إلى فقدان فرصة دراسية مرموقة. "ما لا تراه... يحكمك"، كما يقول دي ميلو، مشيرًا إلى أن هذا الغضب يسيطر على الحياة دون وعي.
في الحياة اليومية، يظهر هذا الغضب في أشكال متعددة. تخيل موظفًا يغضب بسرعة من زملائه؛ قد يكون ذلك غضبًا مكبوتًا من فشل شخصي سابق، مثل طرد من وظيفة، يجعله يرى في كل نقد تهديدًا. خبراء علم النفس، مثل سيغموند فرويد الذي طور نظرية الدفاعات النفسية، يؤكدون أن الكبت يؤدي إلى تراكم الطاقة السلبية، مما يسبب مشاكل صحية مثل القلق أو الصداع المزمن. في مصر، حيث يواجه الكثيرون ضغوطًا اقتصادية واجتماعية، يصبح هذا الغضب شائعًا، خاصة في العلاقات الأسرية حيث يُكبت التعبير عن المشاعر خوفًا من النزاع.
الإسقاط.. كيف نلقي بمشاكلنا على الآخرين؟
يأتي الإسقاط كنتيجة مباشرة للغضب المكبوت، حيث ننسب صفاتنا أو مشاعرنا السلبية إلى الخارج. في قصة أخرى من دي ميلو، يصف كاهنًا شابًا موهوبًا يعامل موظفيه بعنف، ليتبين أن غضبه ينبع من خجل دفين من أمه التي عملت خادمة بعد وفاة والده. دون وعي، أسقط هذا الغضب على "فئة الخدم"، رابطًا إياهم بماضيه المؤلم. بمجرد أن رأى الجذر – من خلال حوار صادق – اختفت المشكلة، دون الحاجة إلى جهد إرادي قسري.
هذا الإسقاط شائع في العلاقات العاطفية، كما يربط دي ميلو في أعماله الأخرى مثل "الحب الإدماني". على سبيل المثال، شخص يغضب من شريكه لـ"عدم الاهتمام" قد يكون في الواقع يسقط خوفه الداخلي من الرفض، ناتجًا عن تجارب طفولة. دراسات حديثة من منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن 70% من النزاعات الزوجية تنبع من إسقاطات نفسية غير مدركة، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الطلاق في المناطق الحضرية مثل القاهرة.
الوعي.. المفتاح للتحرر من الدورة الشريرة
يؤكد دي ميلو أن الحل ليس في المقاومة أو الضغط الإرادي، بل في "البصيرة" – الرؤية الواضحة – تليها "الفهم" العميق. "حين ترى، لا تعود بحاجة إلى القتال"، يقول، مقارنًا الوعي بنور يذيب الظلام. في سياق الغضب المكبوت، يبدأ التحرر بسؤال بسيط "متى بدأ هذا الغضب؟" ثم فهم جذوره، كما في أمثلته عن الكهنة.
خبراء مثل كارل يونغ، الذي طور مفهوم الإسقاط، يوصون بممارسات يومية مثل التأمل أو كتابة المذكرات لكشف المكبوتات.
من الممكن ان يزداد الوعي النفسي مع انتشار البرامج الإذاعية والاجتماعية، حيث يمكن تطبيق هذا من خلال جلسات استشارية أو ورش عمل. على سبيل المثال، في علاقة عمل، إذا شعرت بالغضب من زميل، توقف وراقب، هل هذا إسقاط لفشلك الخاص؟ هذا يحول الغضب إلى طاقة إيجابية، مما يعزز الإنتاجية والسلام الداخلي.
في نهاية المطاف، يذكرنا دي ميلو بأن "ما تراه بوعي... يتحررك". الغضب المكبوت والإسقاط ليسا عيوبًا، بل إشارات للنمو. في زمننا هذا، مع الضغوط اليومية في الحياة وغيرها، يصبح الوعي أداة أساسية لصحة نفسية أفضل. إذا كنت تعاني من نزاعات متكررة، ابدأ بالنظر داخلك – قد تكتشف أن المشكلة ليست في الآخرين، بل في ما لم تواجهه بعد.
.jpg)