recent
أخبار ساخنة

مجدى طنطاوى يكتب رحلتي من صوت المنبر الى ضوء الطريق


 مجدى طنطاوى يكتب 

رحلتي من صوت المنبر الى ضوء الطريق


في زمن بعيد يشبه البدايات الاولى للروح كنت اقف فوق المنبر وانا لا ازال طالبا في المرحلة الثانوية ثم في سنواتي الجامعية الاولى كنت القي خطبا تفوق سني وامتلك صوتا لا يشبه عمري كنت اشعر ان الكلمات لا تخرج مني بل تعبر من خلالي كأن المنبر كان نافذة تطل على قدر لا اعرفه بعد وكان المسجد الكبير في بلدي هو المدرسة الاولى التي تعلمت فيها كيف يقف الانسان بين الناس بقلب يتطلع الى وجه الله قبل ان يتطلع إلى اعينهم


لكن رحلة الانسان ليست خطا مستقيما فالاقدار اخذتني الى عالم آخر عالم الاعلام والصحافة عالم تلمع عناوينه وتضيق مساحاته كان الانتقال من سعة المنبر الى ضيق الشاشة اقسى مما تخيلت فقد وجدت نفسي امام اضواء لا تعرف الرحمة وكاميرات تقيس اللحظة لا النية وعناوين تحاسب الصوت لا القلب شعرت كأن الدنيا تفتح لي ابوابها المزخرفة لكنها تخفي خلفها ضيقا يكاد يبتلع الروح


ومع كل هذا كانت يد خفية تمس قلبي وتمنعني من السقوط كلما اقتربت من وهج يغري او من ظلمة تخدع كنت اسمع في داخلي صدى الآية يقول

{ ألم يأن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله الحديد 16 }

فكنت اعود الى نفسي وادرك ان الله لا يترك عبده يمضي وحيدا في منتصف الطريق


تعلمت ان الرجوع الى الله ليس حركة جسد بل حركة قلب عودة من تشتت الاصوات الى صفاء الاشارة الالهية فالله يقول

{ اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء الاعراف 3 }

فعرفت ان الطريق ليس ما يزينه الناس بل ما يثبته الله في القلب


وفي زحمة الاعلام رأيت الانقسامات تتكاثر كظلال تتصارع فوق الارض كل فريق يجر الناس اليه وكل رؤية تدعي امتلاك الحق المطلق وكنت اسأل نفسي كيف يتوه الناس عن بوصلة واحدة انزلها الله بوضوح فقال

{ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات آل عمران 105 }

فكنت اعلم ان الضياع يبدأ حين نترك البينات لا حين نختلف حول التفاصيل


وفي كل وقت يشتد فيه الضباب كنت اجد القرآن يعيدني الى جوهر الانسان الاول الى تلك اللحظة التي اعلن الله فيها كرامة الانسان فقال

{ ولقد كرمنا بني آدم الاسراء 70 }

فالكرامة هي البوصلة الوحيدة التي لا تنطفئ مهما تعددت الطرق


ولم يكن الصراع خارجيا فحسب بل داخليا ايضا اذ رأيت النفس تحاول ان تقودني كما تقود الرياح سفينة صغيرة فذكرت قول الله

{ ان النفس لامارة بالسوء يوسف 53 }

فعرفت ان اول طريق العودة هو مجاهدة النفس قبل مجاهدة العالم


وكانت رحمة الله هي الظل الوحيد الذي لم يفارقني مهما ابتعدت فقد جاء النداء الالهي دائما كحبل نجاة يمد من السماء

{ قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله الزمر 53 }

كنت اشعر ان الله يخاطبني انا وان الآية تنزل في قلبي لا في كتاب


ثم تأتي الآية الاوسع املا

{ ومن عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة النحل 97 }

فأدرك ان الحياة الطيبة ليست مكانا اذهب اليه بل حالة يسكنها القلب حين يعود الى ربه


ومع مرور السنوات فهمت ان رحلتي لم تكن انتقالا من منبر الى شاشة بل كانت انتقالا من بداية الوعي الى اتساع الرؤية من صوت يبحث عن السماع الى قلب يبحث عن الحقيقة من كلمات تلقى على الناس الى كلمات تلقى على النفس اولا


انني حين انظر الى الطريق الآن ارى ان الله كان يمسكني عند كل منعطف ويدفعني الى النور كلما اقترب الظل ويفتح لي بابا كلما ضاق آخر حتى عرفت معنى الآية

{ فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون البقرة 38 }


وهكذا ادركت ان النور الذي بدأت به على المنبر لم ينطفئ يوما بل كان ينتقل معي من مكان الى آخر حتى اضاء الطريق كله فجعلني ارى ان رحلتي لم تكن سوى محاولة صادقة للرجوع الى الله في كل لحظة رجوعا يطهر القلب ويثبت الخطى ويمنح الانسان تلك الطمأنينة التي لا تمنحها الدنيا ولو اعطت كل ما فيها


هذا هو ضوء الطريق الذي وصلت اليه بعد اعوام كثيرة من السؤال والسقوط والوقوف ضوء لا تصنعه الكاميرات ولا تبنيه العناوين ولكنه يخرج من كلمة واحدة قالها الله بوضوح

{ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزلة 7 8 }

google-playkhamsatmostaqltradent