أن ترى بوضوح.. حين لا تكون الحياة منطقية
في زمن يزداد فيه الجدل حول الخير والشر، العدل والظلم، يبدو أننا نسينا أبسط سؤال: هل يحتاج العالم فعلًا إلى أن يتغيّر، أم أننا نحن من يحتاج أن يرى بوضوح؟
في لحظات كثيرة من الحياة، نشعر أن الكون مختل الميزان. ترى شخصًا طيبًا يُؤذى بلا سبب، وآخر ماكرًا ينجو بلا حساب، فتتساءل: أين المنطق؟ أين العدالة؟ لكن ربما… الحياة لم تُخلق لتكون منطقية كما نتخيلها، بل لتكشف لنا شيئًا أعمق من العدل والظلم معًا.
في أحد الأيام، كان هناك صبي يسير على ضفة نهر هادئ، لا يسمع فيه سوى صوت الماء يتدفق، والعصافير تنادي من بعيد. وبينما يتأمل الموج الخفيف، لمح شيئًا يتحرك بين الأعشاب. اقترب، فرأى تمساحًا عالقًا في شبكة صيادين.
قال التمساح بصوت متعب:
"يا بني، ألن تشفق عليّ؟ لقد وقعت في هذا الفخ وأنا أبحث عن طعام لصغاري. أعلم أن منظري قبيح، لكنني لم أختر ذلك. بداخلي قلب أم، خرجت هذا الصباح لأطعم أولادي، فانتهى بي الأمر هنا."
تردد الصبي وقال:
"لكن إن حررتك، ستهاجمني وتأكلني."
أجابه التمساح بنبرة حزينة:
"أهذا جزاء من ينقذ حياة؟ لا يا بني، لن أؤذي من أنقذني."
رقّ قلب الصبي، وأزال الشبكة. وما إن فعل، حتى انقضّ عليه التمساح، وبدأ يسحبه نحو الماء.
صرخ الصبي:
"أهكذا تكافئ من فعل الخير؟!"
قال التمساح ببرود:
"لا تأخذ الأمر على محمل شخصي. هذه هي قوانين الحياة، هكذا هو العالم."
وقف الصبي مذهولًا، يبحث عن معنى وتفسير. قال:
"لا أصدق أن الحياة هكذا! لابد أن هناك عدلًا ما."
فقال التمساح:
"يمكنك أن تسأل من تشاء."
رفع الصبي رأسه، فرأى طائرًا على غصن شجرة. ناداه وروى له ما حدث.
قال الطائر:
"التمساح على حق. كنت أعود يومًا إلى عشي، فرأيت ثعبانًا يلتهم صغاري أمام عينيّ. صرخت، حلّقت، توسلت للسماء، لكن لم يتغير شيء. نعم، هذه هي الحياة."
قال التمساح بانتصار:
"أرأيت؟ الجميع يعرف الحقيقة."
لكن الصبي لم يستسلم، وطلب أن يسأل أحدًا آخر.
مرّ حمار عجوز على الطريق. ناداه الصبي وسأله.
قال الحمار بصوت مبحوح:
"التمساح محق. خدمتُ سيدي طوال حياتي، حملت أثقاله وصبرت على قسوته. والآن، بعد أن ضعفت، تركني أتجول وحدي في الغابة أنتظر موتي. هذه هي الحياة."
ابتسم التمساح وقال:
"الآن اقتنعت؟"
لكن الصبي توسّل:
"فرصة أخيرة فقط!"
فوافق التمساح على مضض.
وبينما ينتظران، ظهر أرنب صغير يركض بخفة. ناداه الصبي وروى له القصة. جلس الأرنب وقال:
"هل قلت هذا الكلام فعلًا يا تمساح؟"
قال التمساح:
"نعم، هذه هي قوانين الحياة."
فقال الأرنب:
"لكن كيف نتناقش وأنت ما زلت ممسكًا بالولد في فمك؟ أطلقه لنفكر سويًا."
ضحك التمساح وقال:
"سيهرب إن تركته."
قال الأرنب بخبث لطيف:
"إن هرب، اضربه بذيلك ضربة واحدة وستمزقه نصفين."
قال التمساح:
"كلام معقول." وأطلق الصبي.
لكن ما إن فعل، حتى صرخ الأرنب:
"اركض!"
وانطلق الصبي يجري بكل ما فيه من خوف وحياة. هرب ونجا.
قال الأرنب وهو يراقبه من بعيد:
"ألست تحب لحم التماسيح؟ اذهب إلى قريتك، وادعُ الرجال ليقت/لوه، فمعظم جسده ما زال عالقًا في الشبكة."
فعل الصبي ذلك، وجاء الرجال وقت/لوا التمساح.
لكن حين عاد ليشكر الأرنب، وجد كلبه قد هاجمه وقتله. وقف الصبي صامتًا، ينظر إلى جسد الأرنب الصغير، ثم قال في هدوء:
"التمساح كان محقًا... هذه هي الحياة."
لا شيء في هذه القصة “عادل” كما يتمنى عقلنا. الطيب يُؤذى، والمخادع ينجو، والحكيم يُقتل صدفة. لكن الدرس ليس في الحدث، بل في العين التي ترى الحدث.
الحياة ليست لوحة منطقية يمكن ترتيبها بالعقل، إنها لغز يُفهم فقط عندما نتوقف عن محاولة السيطرة على معناها.
حين تستيقظ، تدرك أن العالم لم يكن بحاجة أن “يتغير” ليكون بخير — بل كنت أنت من يحتاج أن يرى بوضوح.
حينها فقط، يصبح العالم كما هو… بخير.


