المرأة العربية... صراع الجذور والطموح تحت سقف واحد
بقلم : حسين السمنودي
المدير العام بمديرية أوقاف القاهرة
في جغرافيا تمزج بين رياح الصحراء ونسمات المتوسط، بين صخب المدن وصمت القرى، ولدت المرأة العربية. وُلدت في أرض تتشابك فيها العادات القَبَلية مع نصوص الأديان، وتتعانق فيها الحضارات القديمة مع تحديات الحداثة. لم تكن يومًا غريبة عن ساحات العطاء، لكنها في معظم الأحيان كانت ضحية نظرة قاصرة ترى فيها تابعًا لا شريكًا، خاضعة لا قائدة، حارسة للبيت لا صانعة للوعي.
المرأة العربية هي ابنة حضارات لم تفرّط يومًا في القيمة الرمزية للأنثى؛ من زنوبيا ملكة تدمر إلى بلقيس سبأ إلى فاطمة الزهراء، مرّت قرون كانت فيها المرأة شريكة حقيقية في القرار والمصير. لكنها، حين سقطت الأمة في قبضة الاستعمار والتبعية الثقافية، أُعيد رسم صورتها وفق معايير جديدة: خاضعة في ظاهرها، مقهورة في واقعها، ومُقصاة عن مفاصل التأثير. ومنذ تلك اللحظة، بدأت المعركة الطويلة: معركة استعادة الذات.
المرأة في بلاد العرب لا يمكن اختزالها في قصة واحدة، لأنها ببساطة متعددة الطبقات، تختلف حالاتها باختلاف الدولة، المدينة، الطبقة الاجتماعية، والخلفية التعليمية. فالمرأة في الرباط ليست هي نفسها في صنعاء، والفتاة في بيروت تختلف عن مثيلتها في الخرطوم، لكن القاسم المشترك بينهن جميعًا هو الرغبة الحارقة في الانعتاق من القوالب الجاهزة التي تحاصر الحلم قبل أن يولد.
في العاصمة، تواجه المرأة النظرة الاستهلاكية التي تحصرها في الجسد والزينة، أما في الأرياف، فتجد نفسها بين مطرقة الفقر وسندان التهميش، تعمل في الحقول جنبًا إلى جنب مع الرجل، وتتحمل مسؤولية الأسرة، لكنها تبقى خارج نطاق القرار. في المخيمات الفلسطينية واللاجئة السورية والسودانية، تتقمص المرأة أدوارًا لا حصر لها: أمًّا، مربية، ممرضة، خبازة، ومع ذلك لا يُحسب لها مكان في المشهد السياسي أو الاقتصادي الرسمي.
عندما نتأمل خارطة التعليم في الوطن العربي، نجد أن المرأة اقتحمت الميادين العلمية، وتفوقت في بعض الأحيان على الرجل. لكنها، وبمجرد أن تتخرج، تصطدم بسوق عمل لا يعترف بكفاءتها إلا نادرًا. فالتقارير تؤكد أن نسبة البطالة بين النساء في الدول العربية هي الأعلى في العالم، رغم ارتفاع مؤهلاتهن. فكيف لدول تُنفق الملايين على تعليم بناتها أن تتقاعس عن توفير فرص حقيقية لتمكينهن؟
وفي السياسة، يكثر الحديث عن "تمكين المرأة"، وتُخصص لها مقاعد بالكوتا، وتُرفع صورها في الحملات الانتخابية، لكن الغالب أن هذا الحضور يظل شكليًا، لا يتعدى دائرة التزيين. المرأة في الغالب تُستدعى لتجميل المشهد، لا لتغيير قواعد اللعبة. وفي المؤسسات التشريعية، كثيرًا ما تُكبلها توجهات الأحزاب التي جاءت بها، فتجد نفسها سجينة التوازنات الذكورية لا صوتًا حرًا يعبر عن نصف المجتمع.
قانونيًا، لا تزال المرأة العربية رهينة نصوص قاصرة، بعضها يعود لعقود، بل قرون. قوانين الأحوال الشخصية في أغلب الدول العربية لم تُكتب بروح العدل بقدر ما كُتبت بروح السيطرة. فمن قوانين الطلاق المجحفة، إلى حرمان النساء من حضانة أطفالهن في ظروف معينة، إلى حرمانهن من الإرث الكامل في بعض البيئات، يتجلى أن العدالة لا تزال مؤجلة. بل إن جرائم الشرف لا تزال تجد تبريرًا مخزيًا في بعض القوانين، والضحية غالبًا ما تُقتل مرتين: مرة بسكين الجاني، وأخرى بيد القضاء.
لكن، ورغم كل هذا الظلام، فإن شعاع المرأة لا ينطفئ. لقد نجحت المرأة العربية في العقود الأخيرة أن تفرض وجودها بأدوات جديدة. فوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي منحتها منصة لم تكن متاحة من قبل. من خلالها، استطاعت أن تخلق وعيًا نسويًا متقدمًا، يطالب بالحقوق دون أن يصطدم بالدين أو يتنكر للهوية. المرأة في هذا الجيل باتت أكثر وعيًا بموقعها، وأكثر شجاعة في رفض التهميش، وأكثر قدرة على خلق سرديات جديدة عن ذاتها.
في الفن، أثبتت حضورها كمخرجة وسيناريست، كسينمائية تعيد رسم صورة المرأة بعيدًا عن الكليشيهات التي اعتادتها الشاشات. في الأدب، حملت القلم لتكتب عن الحب من زاوية الندّ، وعن الألم من زاوية الوعي، وعن المجتمع من زاوية المقاومة. وفي الرياضة، بدأت تُحطم الأسوار، ترفع علم بلادها في المحافل الدولية، دون أن تُنقص من أنوثتها شيئًا.
ولعل من أعظم ملامح التغيير أن المرأة العربية بدأت تُجيد استخدام التراكم. لم تعد تبحث عن نصر لحظي أو ظهور إعلامي عابر، بل أصبحت تسعى لبناء قاعدة صلبة، تربي أبناءها على ثقافة المساواة، وتُعلم بناتها أن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع بالوعي والمعرفة والعمل.
إن المرأة في العالم العربي لا تطلب المستحيل، ولا تسعى لنسخ تجارب الآخرين، بل تنشد مسارًا خاصًا بها، يستند إلى مرجعيتها الثقافية والدينية، دون أن يكون سجنًا يُقيدها. تنادي بالمساواة لا التماثل، بالكرامة لا التمرد، وبالحق في الحلم دون أن تُتهم بالانحراف عن الدور الطبيعي.
المرأة العربية اليوم ليست قضية هامشية، بل هي قلب كل القضايا، جوهر الإصلاح، وركن النهضة الحقيقي. إذا أردنا أن نبني أمة تقف على قدميها، فعلينا أن نبدأ من حيث تقف نساؤها. فإذا كانت المرأة نصف المجتمع، فهي أيضًا من تلد النصف الآخر، وتربيه وتصوغه، فهي إذًا المجتمع كله.
فمن يُقصي المرأة، يُقصي مستقبله.
