المرأة اليمنية.. زهرة وسط اصوات الصراع ورمز للصمود الأبدي
بقلم حسين السمنودي
المدير العام بمديرية أوقاف القاهرة
في قلب أرضٍ أنهكتها الحروب، وداخل وطنٍ تتنازع عليه الجغرافيا والدم، تقف المرأة اليمنية شامخة كجبل صبر، تنبت من بين الركام وردة لا تذبل، وتخوض معركة البقاء اليومي دون أن تلوح براية استسلام. هي ليست فقط ضحية صراعٍ دامٍ، بل هي الجندي المجهول، والركن الثابت في بيتٍ هشّ، والوطن البديل في غياب الوطن.
وتعيش المرأة اليمنية واقعًا مركّبًا، فهي في آنٍ واحد الزوجة التي تنتظر زوجًا غائبًا أو شهيدًا، والأم التي تعيل أبناءها في ظل انقطاع الرواتب، والمدرسة التي تحوّلت إلى خبّازة وبائعة في الأسواق. إنها تمشي كل يوم على دربٍ ملغومٍ بالحزن، تبحث فيه عن ماء، وعن دواء، وعن فرصة حياة.
وفي المدن التي قُصفت، والقرى التي عزلها الصراع، تتحوّل النساء إلى خط الدفاع الأول عن الأسرة. تمشي الكيلومترات حاملة جالون الماء، وتحمل على كتفيها طفلًا مريضًا تائهًا بين مشافٍ مغلقة. تبيع الحُليّ، وتفترش الأرض لبيع الخضروات، وتحوك من الصوف ثيابًا تُطعم بها أطفالها جوعًا لا يرحم.
ولم تتخلَّ المرأة اليمنية عن دورها الثقافي والتعليمي، فبين أصوات القصف، ما زالت بعض المعلّمات يتنقلن إلى المدارس مشيًا أو على الدواب، يدرّسن دون راتب منذ سنوات، فقط لأنهن يؤمنّ أن جهل الأجيال القادمة سيكون أكثر فتكًا من الحرب.
أما الطبيبات والممرضات، فقصصهنّ مأساوية وبطولية في آنٍ واحد. تعمل بعضهنّ لساعات متواصلة في مشافٍ بلا كهرباء، وتحت تهديد القصف، ويستخدمن شموعًا أو مصابيح هواتفهن لإجراء عمليات ولادة أو إسعافات أولية.
وفي جبهات الحرب، هناك من فقدت زوجها وأخيها وابنها، فارتدت ثوب الحياة من جديد، لا تسأل الدولة ولا المنظمات، بل تقاوم كيلا يسقط بيتها. لا تحمل السلاح، لكنها تحارب الفقر، بالصبر، وبإعداد جيل لا يعرف الانكسار.
ورغم هذا العناء، لم تتخلّ المرأة اليمنية عن هويتها. لا تزال في القرى تغزل من صوف الأغنام ثيابًا تقليدية، وتشارك في الأعراس بإنشاد الموشحات الشعبية. تصنع القهوة اليمنية بمهارة الجدات، وتُدرّب بناتها على حفظ الأشعار القديمة، وتُدير مجالس النساء التي تناقش السياسة والدين والتربية، دون خوف من مجتمع يضعها في الظل.
وقد لعبت المرأة اليمنية دورًا سياسيًا بارزًا، رغم محاولات الإقصاء. فقد برزت أصوات نسوية في ساحات الثورة السلمية، وعلى منابر الإعلام، وفي مفاوضات السلام. ورغم أن كثيرًا من تلك الأصوات تمّ إخراسها بالترهيب أو القتل أو النفي، فإنها تظلّ تلهم غيرها على المقاومة.
و تحوّلت النساء إلى قيادات مجتمعية. يقمن بتوزيع المعونات، وتوثيق الانتهاكات، وتقديم الدعم النفسي للناجيات من العنف. يعملن في الخفاء حين يُمنعن من الظهور، ويصنعن المعجزات دون أن ينتظرن التصفيق.
وتخوض المرأة اليمنية حربًا أخرى غير تلك التي تشعلها المدافع: حرب التقاليد البالية، والتحكم الذكوري، والمجتمع الذي لا يغفر للمرأة صمودها، إن لم يكن تحت عباءة رجل. تُمنع من التعليم في بعض القرى، ويُزجّ بها في زيجات قسرية، وتُحرَم من الميراث والقرار.
ورغم كل ذلك، فإنها حين تنهض، تنهض بقوة التاريخ، وبقلب أمّ يمنية لا تعرف الهزيمة.
وختاما لذلك فإن المرأة اليمنية ليست فقط حكاية تراجيدية في نشرة أخبار، بل هي أيقونة من الصبر والمقاومة، تستحق أن تُكتب عنها الروايات، وأن تُحفظ سيرتها في وجدان الأمة. فحين ينتهي هذا الصراع، وتعود الحياة إلى اليمن، سيُكتب في أول السطور: "هنا وقفت نساء، فصمد وطن".
.jpg)